قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بدا نظام حسني مبارك عند عام 2005 وكأنه استنزف طاقته على البقاء. أوحت مشاهد الانتخابات الرئاسية بأننا قرب النهاية، لكن عمر النظام امتد لنحو خمس سنوات أخرى بفضل اتساع هامش حريات التعبير.
كانت تلك حقيقة، فالحريات الصحفية والإعلامية رفعت سقف الآمال المعلقة على إصلاح النظام من الداخل. عندما تبددت أية آمال بالتزوير الفاحش للانتخابات النيابية عام 2010 انفسح المجال واسعاً لعاصفة يناير 2011.
هناك من توقع «ثورة جياع»، بالنظر إلى تزايد الاحتجاجات أمام المخابز ومستودعات أنابيب الغاز، أو «انتفاضة خبز جديدة» تماثل يناير 1977، أو «حريق قاهرة آخر» على النحو الذي جرى في يناير 1952، أو تغيير النظام بتدخل الجيش كما حدث في 23 يوليو.
لم يخطر ببال أحد إطاحته بانتفاضة شعبية مدنية تدعو إلى نظام ينسخ الماضي ويلتحق بعصره. هبت عاصفة يناير من خارج السياق السياسي، الذي اخترقت أحزابه وهمشت منابره.
اقتحمت مسرح الحوادث أجيال شابة بروح جديدة وخيال مختلف، أصابت وأخطأت، لكن روحها تعلقت بفكرة الثورة التي حسمت خيارها قطاعات جماهيرية واسعة نالت المظالم الاجتماعية من أبسط حقوقها في الحياة، فيما الفساد يستشري في بنية الحكم.
قيمة «يناير» في التاريخ أنها عكست الإرادة العامة التي لا سبيل إلى تحديها بقدر ما طمحت إلى الانتقال لعصر جديد أكثر عدلاً وحرية وكرامة إنسانية.
قبل العاصفة تبدت حالة غضب بين الأجيال الجديدة وجماعات المثقفين وكل ما له قيمة في البلد، استقطبت المشاعر العامة حتى بدا النظام كله في العراء السياسي.
كان «مشروع التوريث» هو نقطة التفجير التي استدعت كل الغضب إلى كل الميادين.
لم يكن الجيش في وارد الصدام مع الإرادة الشعبية لتمرير «التوريث»، أو الدفاع عن نظام مبارك.
في لحظات النهاية بدا النظام بلا ظهير سياسي، فقد انهار حزب السلطة مع أول هتاف في ميدان التحرير.
ما هو مصطنع يسقط في كل اختبار. لم يكن الحزب الوطني الديمقراطي حزباً حقيقياً بقدر ما كان تجمعاً لأصحاب المصالح يلتصق بالسلطة؛ أي سلطة. كان مزيجاً من بيروقراطية الدولة ونفوذ الأمن.
في لحظة الثورة بدا الانكشاف كاملاً للبنية السياسية المصطنعة. دفع النظام ثمناً مستحقاً لاختراق الأحزاب السياسية من داخلها، وتفجيرها في بعض الحالات، ومنعها من ممارسة أي دور يتجاوز مقراتها.
بقدر ما تكون الحياة السياسية صحية وقابلة لاكتساب الثقة العامة، فإن قواعد النظم تتأسس على أرض صلبة.
ظل الاعتقاد طوال الوقت جازماً أن المستقبل المصري يصنع في البيت الأبيض حتى إن الدكتور مصطفى الفقي سكرتير رئيس الجمهورية الأسبق للمعلومات، قال ذات مرة: «إن الرئيس القادم سيكون اختياراً أمريكياً بموافقة إسرائيلية».
لم يطل الوقت حتى تبددت أسطورة التعويل على الإدارة الأمريكية في ضمان مستقبل النظام، وبدت وهماً من الأوهام في الأيام الأولى ل«يناير».
الثورات ليست مؤامرات حتى لو بدا أن هناك من تآمر لاختطافها، أو حرفها عن مسارها وأهدافها.
لم تهبّ عواصف التغيير مرة واحدة، ولا نشأت فجأة في ميادين الغضب. على مدى عشر سنوات كاملة تتالت التوقعات والنبوءات تحت الأفق المأزوم.
«مصر دخلت منطقة الزلازل السياسية». كان ذلك توصيفاً مبكراً في 18 نوفمبر 2001 أطلقه المفكر اليساري الدكتور فوزي منصور.
بروح الفنان توقع السيناريست محفوظ عبد الرحمن بتوقيت مقارب ما قد يحدث غداً: «النمل الأبيض يقرض كرسي السلطان».
غير أن السلطان لم يكن بوارد الالتفات إلى أن عرشه على وشك أن يهوي بفعل بنية نظامه.
بنظرة إلى المستقبل توقع المفكر الاقتصادي سمير أمين في أكتوبر 2003 أن «الإسلام السياسي هو البديل المطروح، لكنه لن يخرج مصر من المأزق».
«دخلت مصر مرحلة المخاض المؤذن بميلاد جديد بإرادة الشعب، هذا ما يبدو جلياً لكل ذي عينين يبصر بهما». هكذا لخص الموقف السياسي الحرج الفقيه القانوني الدكتور هشام صادق في فبراير 2005.
في أبريل من العام التالي توقع السفير أمين يسري أن «مصر على أبواب يوليو جديد. لا سكة السلامة ولا سكة الندامة.. نحن الآن في سكة اللي يروح ما يرجعش».
كان ذلك توصيفاً متشائماً للمخرج المسرحي سعد أردش في فبراير 2007.
«للصبر حدود وثورة الفقراء تقترب». كان ذلك استخلاصاً مثيراً من قلب مجتمع الأعمال أطلقه محمد فريد خميس في سبتمبر 2007.
«مصر مقبلة على ما لم تشهده من قبل». كان ذلك توقعاً مدوياً للأستاذ محمد حسنين هيكل في يونيو 2008. «حضرة النظام المستبد.. التغيير أو الانفجار». كان ذلك إنذاراً أخيراً في 9 يناير كتبه الدكتور محمد أبو الغار قبل انفجار الحوادث بأسبوعين في 25 يناير 2011.