قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يعيش العالم منذ قرابة العام في حالة من التوتر بشأن اتهامات لروسيا بأنها تنوي غزو أوكرانيا، وتشارك في هذه الاتهامات جهات أوكرانية على رأسها الرئيس الأوكراني ومسؤولون سياسيون غربيون على أعلى مستوى، وأجهزة استخبارات غربية ووسائل إعلامية بعضها على الأقل يتسم بالرصانة. ووصل الأمر ببعض التقديرات إلى تحديد مواعيد لم تصدق لوقوع الغزو، فمنذ مارس2021 بدأ حديث الرئيس الأوكراني عن غزو روسي محتمل لبلاده، وكانت الحجة هي الحشود العسكرية الضخمة على الحدود، وسار على نهجه الكثير من الدوائر الغربية السياسية والاستخباراتية والإعلامية. وكان الرد الروسي دائماً بالنفي وتكييف التحركات الروسية العسكرية على أنها مناورات أو تحركات عادية، مع التأكيد على أن الأمن الروسي هو الذي يواجه المخاطر بسبب الحديث عن انضمام أوكرانيا لحلف «الناتو»، وهو ما تعتبره روسياً تهديداً حقيقياً لأمنها. وتمثل رد الفعل الأميركي والغربي عموماً في التهديد بأن الغزو الروسي المفترض لن يمر كما مر ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، وسوف يُواجَه بعقوبات اقتصادية ستكون عواقبها وخيمة على الاقتصاد الروسي، إلى جانب تزويد أوكرانيا ببعض الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، كما تمت اتصالات هاتفية واجتماعات افتراضية بين الرئيسين الأميركي والروسي لم تخرج نتائجها عن المواقف السابقة: تحذير أميركي من الغزو وعواقبه «الاقتصادية» الوخيمة على الاقتصاد الروسي، ونفي روسي بالمقابل وتحذير من نتائج إدماج أوكرانيا في منظومة حلف الأطلسي.


ويتعجب المرء أحياناً من الطريقة «المسرحية» التي تدير بها القوى الكبرى أحياناً أزماتها، ولا ينكر أحد أن روسيا منذ تولي بوتين رئاستها في مطلع القرن باتت قوة «مراجِعَة» بأحد المعايير، بمعنى أنها غير راضية عن الوضع الراهن الذي آلت إليه الأمور بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وأنها وإن كانت تدرك أن العودة إلى الماضي السوفييتي مستحيلة، إلا أنها لا يمكن أن ترضى باستمرار كافة الأوضاع الراهنة على علاتها الأمنية بالنسبة لها، وهي من ثم تسعى بكل السبل «الرشيدة» الممكنة لتغيير هذه الأوضاع، والرشادة هنا تعني بالتأكيد تجنب أي مواجهة عسكرية لتغيير هذه الأوضاع، طالما أمكن تغييرها بوسائل أخرى أقل تكلفة. وهي هنا أولاً تعمل على تعظيم فرص توطيد العلاقات مع أكبر عدد ممكن من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، خاصة أن علاقات الاعتماد المتبادل التي كانت سائدة في الاتحاد والضعف النسبي لبعض هذه الجمهوريات يجعلها في حاجة لعلاقات وطيدة مع روسيا، وقد رأينا في مقالة الأسبوع الماضي أن معاهدة الأمن الجماعي التي تضم روسيا مع خمس من هذه الجمهوريات قد وفرت إطاراً آمناً وفعالاً لتدخل روسي لحفظ الأمن في كازاخستان أوائل الشهر الجاري.

وثانياً، فإن روسيا تستغل تعقيدات التركيبة السكانية في تلك الجمهوريات للتدخل وقت اللزوم بما يحقق المصلحة الروسية، خاصة أن هناك نسبة معتبرة أحياناً من السكان الروس أو ذوي الأصول الروسية في بعض هذه الجمهوريات، كما كان الحال في شبه جزيرة القرم التي كانت تابعة لروسيا حتى اتخذ خروشوف (الأوكراني)، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، قرار ضمها لأوكرانيا في عام 1954، وبالتالي سهل على بوتين عندما وقعت فيها اضطرابات أن ينظم فيها استفتاءً جاءت نتيجته بالموافقة على الانضمام لروسيا، وهو ما تم بالفعل في عام 2014. كما تؤيد روسيا الحركات الانفصالية في شرق أوكرانيا، وكانت قد فعلت الشيء نفسه بتأييد الحركات الانفصالية في جورجيا عام 2008.. فلماذا تلجأ روسيا لعملية غزو مكلفة تولّد ردود فعل غربية غاضبة وقوية، فيما هي تستطيع بوسائل أقل تكلفة وأكثر نعومة أن تحقق أهدافها الرامية إلى مراجعة الأوضاع الراهنة المحيطة بها وتصحيحها من وجهة نظر موسكو؟