الاهتمام بالمحتوى المحلي سمة مميزة للدول التي تعطي أولوية قصوى لمنتجاتها الوطنية في مشاريع وبرامج التنمية التي تنفذها الحكومات في أوطانها، لذا نجدها تعطي الأولوية في المناقصات، والمشتريات الحكومية، خاصة متى ما كانت منافسة في جودتها مقارنة بالمستورد، أو الأجنبي.

وقد أولت المملكة اهتماما واضحا بتشجيع المحتوى المحلي ليكون جزءا من الإنفاق الحكومي العام، ولذا أنشأت هيئة المحتوى المحلي لتكون جهة منظمة، ومراقبة لتنفيذ الأنظمة التي أنيطت بها، وبالرجوع لموقع الهيئة نجدها نصت على أن الإنسان، والسلع، والخدمات والأصول، والتقنية، وغيرها، كل هذه الأشياء تدخل في مفهوم المحتوى المحلي.

ويتم التركيز على مصادر، ومكونات السلع لتطوير سلاسل الإنتاج، كما يتم الاهتمام بالقوى العاملة على تصنيع المنتجات، أو تقديم الخدمات، إضافة إلى معرفة المكونات المحلية التي يتم استخدامها في إنتاج السلع، أو الخدمات، أما ما يتعلق بالتقنية فيتم التركيز على الأبحاث، وتطوير، وتدريب القوى العاملة السعودية، وما من شك أن الهيئة يستلزم القيام بدورها التعاون مع الجهات ذات العلاقة، كالوزارات المعنية، كوزارة التجارة، والصناعة، والزراعة، وهيئة المواصفات، والمقاييس، والشركات الكبيرة المنتجة للسلع، إضافة إلى الجامعات، ومؤسسة التعليم، والتدريب التقني، ومدينة العلوم، والتقنية للارتقاء بمستوى المحتوى المحلي لضمان قدرته على المنافسة في وجه السلع المستوردة، وكذا منافسة القوى البشرية الوافدة.

المتأمل فيما ورد آنفا يتبين له أن السلع، والمنتجات المادية، أو ما له علاقة بها تمثل حجر الزاوية في المهام الموكلة بالهيئة، وقد تساءلت وأنا أقرأ في موقع الهيئة هل من الممكن توسيع مفهوم المحتوى؟ والإجابة البديهية أن المحتوى مفهومه واسع وكبير، ففي التربية والتعليم تمثل المقررات الدراسية محتوى معرفيا، ومهاريا، وثقافيا، فالنص الأدبي شعرا، أو نثرا يمثل محتوى يقدم لإحداث تغيير لدى المتعلم، أو المتدرب، في بنائه النفسي وذائقته الأدبية، وكذا محتوى مادة الرياضيات، والعلوم، والنص الشرعي، والأنظمة والقوانين المستنبطة أو المسكوكة من مصادرها، ولعل القانون الفرنسي الذي يشار إليه بالبنان باعتباره منتجا فرنسيا تباهي فرنسا به العالم أثبتت البحوث أنه منقول حرفيا من الفقه المالكي.

المنتجات الفكرية، والثقافية تمثل منتجات محلية لا تقل أهمية في أي مجتمع لما لها من تأثير في طريقة التفكير، وتوجيه الناس في سلوكهم، وبناء مشاعرهم، وميولهم، واتجاهاتهم، بما يسهم في إيجاد جيل يخدم وطنه بكل اعتزاز. ومما أرى أهمية الاهتمام به المنتج اللغوي للغة الأم، وكذا للغات الحية لما في ذلك من تقوية لروابط الجيل بلغتهم الأم، ولما في ذلك من تواصل مع المعارف المستجدة في كل المجالات حين تعلم اللغات الأجنبية لما فيها من كنوز معرفية.

استرعى انتباهي، وأنا أسير في شوارع مدننا سوء استخدام اللغة في بعض اللوحات التي تعتلي واجهات بعض المحال، حيث يتم الخلط بين العربية والإنجليزية بشكل منفر للعين حين تقع على واحدة من هذه اللوحات، حينما تشمل العبارات كلمتين من لغتين مختلفتين، فما الذي يمنع من أن نكتبها بلغتنا؟ لما في ذلك من استقامة المعنى، وعدم إرباك للناشئة، حتى لا تعتاد عقولهم على العبث باللغة، مهما كانت، سواء اللغة الأم العربية، أو غيرها.

أعتقد أن توسعة مفهوم المحتوى المحلي ليشمل مدننا بأسواقها، وشوارعها، وحدائقها، ومساجدها، ومدارسها، وجامعاتها وما يحدث فيها من أنشطة ثقافية، ومعارض، وكذا ما هو خارج المدن من طبيعة متميزة، كل هذه وغيره يمثل محتوى يفترض أن يكون جزءا مما يسهم في الناتج المحلي المعزز للاقتصاد متى ما عملنا على جودته واستثماره بالشكل الصحيح بأيدي أبناء الوطن.