ليس أهم من الموازنة سوى التوازن السياسي في لبنان. مشروع الموازنة جاء، ولو متأخراً ومصاباً بفقر الدم. لكن التوازن السياسي الغائب منذ سنوات بفعل الأخطاء والسياسات الضيّقة والتسويات السلطوية يبدو من النوع الذي يأتي ولا يأتي. فالقوى المحتاجة إليه والقادرة على إستعادته لا تزال أسيرة الحسابات الفئوية والشخصية، مع أن المناخ الشعبي صار ملائماً. والقوى الرابحة من غيابه تفعل أي شيء للحفاظ على الخلل. والكل يعرف أن الرهانات على التغيير عبر الإنتخابات تبقى نظرية من دون إستعادة التوازن قبل الذهاب إليها، بحيث يمكن وضع حد لتأثير السلاح على المعركة الإنتخابية نيابياً ورئاسياً.

ذلك أن لبنان العالق في هوة عميقة لا يستطيع الخروج منها لوحده. ولا يمكنه التخلص من المشروع الإيراني التوسعي لوحده، ولو خرج عن الهوة بأعجوبة. والقوى الخارجية التي تركز على الإنتخابات والإصلاحات والتحقيق في إنفجار المرفأ والإتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتطالب لبنان بأن يساعد نفسه لكي تساعده، تدرك أن الترجمة لذلك في الوضع البائس والصعب الحالي هي ترك اللبنانيين لقدرهم.

ومتى؟ وقت التوجه نحو الإهتمامات الجيوسياسية والصفقات الإقليمية والدولية التي تجعل الخطر على لبنان أكبر واليد الضاغطة عليه أقوى. فكيف إذا كنا نواجه، فوق ذلك كله، سياسة الهرب المزدوج من حقيقتين: الهرب من الحقيقة في إنفجار المرفأ، والهرب من الحقيقة الشعبية في الإنتخابات؟ وكيف إذا كان صنّاع الكوارث في السلطة يستقوون على الضحايا ويريدون الحفاظ على هذا الوضع المزري لكي يكملوا الكوارث والخراب والإنهيار؟

ليس أمراً قليل الدلالات أن يقول رئيس الحكومة نجيب ميقاتي: "كل طرف يتصرف كأن البلد لا يعنيه، وكل طرف يشعر أن هذا البلد هو بلد الطرف الآخر، ويبدأ بأذية الآخر فيلحق الأذى بالبلد". فالرئاسة الثالثة عالقة وسط "حرب عصابات سياسية" بين الرئاستين الأولى والثانية. ومجلس الوزراء رهينة مواقف ضد الأساس في اللعبة الديمقراطية وعلى حساب الدستور باسم الدستور والميثاقية.

ولا يبدل في الأمر سماح "الثنائي الشيعي" لمجلس الوزراء بالإجتماع بعد ثلاثة أشهر من التعطيل. فاللعبة هي نفسها في التعطيل والسماح. حجة التعطيل كانت التمسك بالدستور وكف يد المحقق العدلي طارق البيطار عن التحقيق مع الرؤساء والوزراء، على أساس أن الدستور يعطي المجلس النيابي وحده حق التحقيق والإتهام لهؤلاء بأكثرية الثلثين، والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء حق المحاكمة. وشروط السماح أخذت في طريقها الدستور وصادرت الصلاحيات المكرسة دستورياً لرئيسيّ الحكومة والجمهورية.

والإزدواجية سيدة الموقف. "حرب عصابات دستورية" الى جانب "حرب عصابات سياسية". أما الحرب الكبيرة لتغيير لبنان وهويته وجوهره، فإنها تدار على مراحل وتخدمها حروب العصابات. وأما الخطاب والفعل لدى التركيبة السلطوية، فإنهما في "إنفصام كامل".

واللبنانيون صاروا في حاجة الى ما دعت إليه حنة أرنت: "الحق في أن تكون لك حقوق".