قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

اجتمع الأطلسيون والأوروبيون لمواجهة مشكلةٍ ما حسبوا لها حساباً من قبل، أو أنّ أحداً منهم ما حسب أنها إن وقعت ستكون بهذه الضخامة. عزّوا أنفسهم بأنّ أوكرانيا ما سقطت بعد شهرٍ من الحرب، ونشروا معلوماتٍ وأخباراً عن عجز الروس عن المزيد من التقدم. وقال الأميركيون إنهم سيفرضون المزيدَ من العقوبات، وأرسلوا وسيرسلون المزيد من أسلحة «الدفاع». وتُوِّج اجتماعهم بخبرٍ سارٍّ في الظاهر: إنّ الصواريخ التي أرسلوها للجيش الأوكراني نجحت في إغراق سفينة إنزالٍ روسيةٍ ضخمة في بحر آزوف. إنما بعد السكرة أتت الفكرة، كما يقال: لا أمل حقيقياً في استمرار قدرات أوكرانيا العسكرية على مواجهة الهجوم الروسي وصدّه! كما أنهم لا يعرفون ماذا تطلب الصين التي يأتي وفدها إلى بروكسل، مطلع أبريل المقبل، مقابلَ الوساطة مع روسيا. فالأوروبيون هم الخاسرون في البداية والنهاية. هم لا يستطيعون الاستغناء عن الغاز الروسي وعن البترول الروسي، وربما لا يستطيعون أيضاً الاستغناء عن المحاصيل الزراعية الأوكرانية والروسية!
ومن جهةٍ أُخرى ما أيَّد أحدٌ مواقف الأميركان والأوروبيين التصعيدية غير الدول الداخلة في حلف شمال الأطلسي (الناتو). أما الآخرون فانقسموا إلى فريقين: فريق يؤيد روسيا، وفريق أكبر يتجنب الإحراج بعرض التوسط في النزاع، وسواء نجحت الوساطة أم خابت تحت وطأة إصرار روسيا على تحقيق أهدافها!
ولو تجاهلنا دعاوى الخسائر الروسية الضخمة، فخلاصة الحقائق على الأرض أنّ الروس محتاجون للأوروبيين بقدر حاجة الأوروبيين إليهم وربما أكثر. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يُصْغ الرئيس بوتين لمناشدات الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني في محادثاتهما الهاتفية الطويلة والمتكررة معه؟ يقول المراقبون إنّ بوتين يعرف أنّ الألمان والفرنسيين لا يستطيعون إقناع الرئيس الأوكراني بما يتفقون عليه معه، لأنّ عقله ولسانه بأيدي الأميركان. وحتى الآن لا يظهر اختلالٌ في صفوف الأوكرانيين بحيث يُصْغون للعروض التي قد يحملها إليهم الأوروبيون!
وهكذا فالجميع، بمن فيهم الروس والأوروبيون، إنما يتحركون في دائرة مغلقة مفاتيحها بأيدي الأميركيين والصينيين. ونوايا الصين وخططها ليست بيد أحد غيرها. وفي الغالب لن يعرف أحدٌ عن تلك النوايا شيئاً حتى ترجح الكفّة بوضوحٍ لصالح روسيا. إذ عندها يصبح بوتين أكثر مرونةً، ويصبح الأوكرانيون (والأميركان) أكثر قبولا للتنازلات المطلوبة. مجلة «شبيغل» الألمانية، ذكّرت الأوروبيين الذين يذهبون إلى أنّ السلام مستمر في القارة منذ عام 1945، أنّ ذاكرتهم قصيرة.
فقد تدخل الروس عام 1953 في ألمانيا الشرقية، وفي عام 1956 في المجر، وفي عام 1968 في تشيكوسلوفاكيا، وفي الثمانينات في بولندا، وكانوا قد مضوا نحو أفغانستان عام 1979. ولذلك لا ينبغي أن تكون لديهم أوهام: روسيا الضعيفة ستكون عبئاً عليهم كما كانت في تسعينيات القرن. وروسيا القوية تفرض شراكتها بالقوة (!). وإذا لم يتغلبوا على أوهامهم بإرضاء روسيا بأي ثمن فلن يبقى لديهم غير خيار الصين الهائل!