لن تكون أوكرانيا المحطة الوحيدة في الصراع بين الحزب الديموقراطي الأمريكي والروس، وإذا حددنا الصراع بين هذين الطرفين، فهو كذلك، فإدارة بايدن هي نفسها إدارة أوباما المعادية للروس، وهما من يريدان على هامش الصراع معاقبة بوتين لارتكابه خطايا العداء مع مصالحهم ومع الأيديولوجيا اليسارية وعدم تسامحه مع الشذوذ والمثليين.

وهي نفس الإدارة الأمريكية التي أشعلت النيران في الشرق الأوسط، وخصوصا سورية، بدءا من العام 2010 أو ما أطلق عليه كذبا «الربيع العربي».

في العام 2011 اندلعت احتجاجات عفوية في عدد من البلدان العربية، ومنها جنوب سوريا، لتجتاح بقية البلاد خلال أشهر بعد تثوير الإخوان المسلمين وحلفائهم من الأمريكان وبعض الدول الغربية والإقليمية، السعودية كانت الوحيدة التي بقيت أشهرا تدعم الاستقرار في سوريا وتحث عليه، لكن الطرفين الأمريكي والروسي ارتكبا خطايا فادحة.

بالتأكيد لم يكن دعم حقوق السوريين السبب الحقيقي، فلا فقر السوريين مهم لدى واشنطن ولندن وباريس وأنقرة، ولا توفير وظائف وحياة كريمة لهم هو ما دفعهم لذلك، بل هدف أبعد من ذلك بكثير؟

وكما هي سوريا، هي أيضا الحرب الأوكرانية الحالية، السبب الحقيقي في كلا البلدين، الذي توارى خلف أصوات الاحتجاجات والقنابل والمدافع وأزيز الطائرات، هو خط الغاز القادم من روسيا إلى أوروبا عبر أوكرانيا، والخط الآخر المفترض قدومه من حقول الخليج إلى أوروبا عبر سوريا.

ودعونا نستعرض التناقض الغربي بقيادة أمريكا في الخطين الحيويين!

الخط السوري القادم افتراضا من حقول الخليج متجها الى أوروبا كان رغبة غربية ملحة للخروج من تأثير الغاز الروسي، ومن أجله تم تعويم النظام السوري بعد العام 2000، والتغاضي عن أخطائه الفادحة في لبنان والعراق، ولأن السوريين رفضوا مروره من أراضيهم لأسباب إستراتيجية عديدة، منها أن الخط سيدمر الروس حلفاءهم القدامى، اندفع الغرب لعقابهم وأنشئت «داعش» ودعمت الاحتجاجات المسلحة بل وانتقلت الجيوش الغربية إلى سوريا جنبا إلى الروس الذين سارعوا بالقدوم خوفا من انهيار النظام السوري وقيام نظام موالٍ للغرب يسمح ببناء الخط.

في أوكرانيا يمر خط غاز روسي قديم يغذي الأوربيين وخاصة الألمان -القوة المريبة وغير المحبوبة في القارة العجوز-. الأمريكان والإنجليز ينظرون بكثير من الحذر تجاه الألمان، ويؤمنون بأن خط الغاز الجديد بين روسيا وألمانيا القادم من البحر بعيدا عن الأراضي الأوكرانية يعني حتما استقلالا ألمانيا ونفوذا روسيا وتحالفا مستقبليا بين العقل والصناعة الألمانية والسلاح والمال الروسي، ما سيشكل خطرا على النفوذ الأمريكي في أوروبا والعالم، ولأجل خط الغاز هذا يحارب الأمريكان الروس ويشعلون النار في أوكرانيا وأوروبا كاملة، على عكس الخط السوري الذي يتبنون إنشاءه ويدعمون وجوده.

كل المؤشرات تقول إن الحرب الأمريكية ضد الروس ستنتقل إلى سوريا وإن التحضيرات تتسارع جدا، من إعادة الملف السوري إلى مجلس الأمن إلى صياغة إدانات أممية، إلى تقارير إنسانية، وربما يعاد إنعاش داعش من جديد لتقوم بحرب بالوكالة ضد الروس.

فجبهة واحدة ضد موسكو لا تكفي، إلا أن الخطير في ذلك أن النيران المشتعلة هناك في أقصى أوروبا ستنتقل إلى وسط الإقليم العربي، وربما تشتعل في الثياب اللبنانية والعراقية والأردنية لتضحي حربا إقليمية بالوكالة وتصفية حسابات «غربية روسية» على حساب الدول العربية والخليجية.

تحيط بسوريا دول إقليمية كبرى هي العراق وإيران وتركيا واليونان وإسرائيل ومصر والسعودية، ما يعني أن انجرار أي دولة من هذه الدول أو جميعها وارد جدا إذا تحولت الحرب إلى خطر جسيم على أمنها القومي، أو حركتها أطماعها كما في طهران وأنقرة، وهو ما سيفضي إلى حرب عالمية صغرى، نيرانها بين أيدينا ونتائجها ستبقى بين ظهرانينا لسنوات طويلة.