عودا على بدء، ذكرت في المقال السابق أن الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا ما زالت الموضوع الأهم والقضية المقلقة عالميا فيما يخص الطاقة وإمداداتها، ما جعل أعين العالم تراقب هذا الملف بحذر، ووضحت أن أثر هذه الحرب ليس حكرا على روسيا وأوكرانيا والدول المجاورة لهما، بل يمتد أثرها إلى كثير من الدول والقطاعات وبنسب متفاوتة، فتأثر أوروبا في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية وغيرها يختلف بلا شك عن تأثر الدول البعيدة.
العالم ما زال وسيبقى متعطشا لجميع مصادر الطاقة، فالطاقة هي شريان التطور الأهم، وقلب المدنية النابض ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها أو حتى المساس بإمداداتها وسلامتها، وعند الحديث عن أمن الطاقة العالمي لا يمكن تجاوز روسيا أو التقليل من أهميتها كمصدر رئيس من مصادر الطاقة العالمية، حيث أوضحت في المقال السابق بالأرقام أهمية روسيا في إمدادات الطاقة العالمية، كونها ثاني منتج للنفط الخام في العالم، إضافة إلى كونها أكبر مصدري الغاز في العالم.
السؤال موضوع هذا المقال وفي ظل التغيرات المتسارعة في تعاطي دول أوروبا مع هذا الملف والمطالبات الحثيثة من بعض هذه الدول بالاستغناء عن النفط الروسي، هل سيتم حظر النفط الروسي؟ ومن يستطيع تحمل تبعات ذلك من الطرفين، وأعني هنا الطرف الروسي والأوروبي.
دينيس شميهال، رئيس وزراء أوكرانيا، يؤكد أن بلاده تنتظر من الاتحاد الأوروبي فرض حظر على النفط الروسي، وسيتم طرح هذا الموضوع يوم الإثنين وقت نشر هذا المقال. في رأيي، أن أوكرانيا كونها في أرض المعركة في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، فليس مستغربا أن تطالب بأي عقوبات على روسيا على جميع الأصعدة، ومنها مطالباتها بحظر النفط الروسي، لكن هل هذا الخيار سيضر روسيا أم سيضر الاتحاد الأوروبي أكثر؟ بداية لا يمكن تجاهل أن هناك فعلا رغبة شديدة من بعض دول الاتحاد الأوروبي في فرض حظر على النفط الروسي، وعلى أقل تقدير فرض حظر تدريجي عليه، لكن في المقابل هناك دول ترفض هذا المقترح جملة وتفصيلا، كونها لا تتحمل تبعات هذا القرار. دول شرق أوروبا خصوصا، وعلى رأسها بلغاريا والتشيك والمجر وسلوفاكيا، من أكثر الدول معارضة لهذا القرار، حيث إن تأثر إمدادات النفط سيؤثر فيهم بصورة أكبر من غيرهم. ومع ذلك فالتعاطي مع هذا الطلب الأوكراني متفاوت، فعلى سبيل المثال، تطالب سلوفاكيا بإعفائها من أي اتفاق على حظر النفط الروسي، بينما تدعم التشيك هذا القرار، لكن ترى أنها تحتاج إلى فترة انتقالية لحظر النفط الروسي تبلغ عامين إلى ثلاثة أعوام لتأمين مصادر بديلة. اليابان تصرح أن حظر النفط الروسي صعب على الفور، ما يعني أن رؤيتها تتفق مع رؤية التشيك لوضع إطار زمني كاف لإحلال مصادر بديلة للنفط الروسي.
في رأيي، أن التصعيد من الجانب الأوروبي سيستمر ضد روسيا بكل الطرق، وإذا كان هناك فرض حظر على النفط الروسي، فسيكون جزئيا وستقوده الدول الأقل اعتمادا على شرايين الطاقة الروسية، مثل بريطانيا وفرنسا. نراقب المستجدات هذا الأسبوع، وبلا شك نراقب رد الفعل الروسي الذي لن يبقى مكتوف الأيدي.