قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

قيم الاعتدال الفكري والوسطية السياسية مكَّنت الولايات المتحدة من صناعة الصداقات الدولية العميقة مع مختلف النظم السياسية والتوجهات الفكرية المعتدلة حول العالم، بينما التوجهات الفكرية الإقصائية والطروحات الحزبية الراديكالية تسببت بعزلة دولية للاتحاد السوفيتي طوال فترة وجودة. تلك كانت فترة الحرب الباردة (1945-1991م) -فترة صراع التيارات المحافظة مع اليسارية، والمعتدلة مع المتطرفة، والوسطية مع الإقصائية، والمنافع المشتركة مع المنافع الأحادية، والاحترام المتبادل مع الأنانية المفرطة- التي انتهت بانتصار عظيم لقيم الاعتدال، والمحافظة، والوسطية، والمنافع المشتركة، والاحترام المتبادل بقيادة الولايات المتحدة، وإعلان الخسارة العظيمة لأصحاب التوجهات اليسارية والمتطرفة والإقصائية والمنافع الأحادية والأنانية المفرطة التي مثلها الاتحاد السوفيتي. نعم، لقد انتصرت الولايات المتحدة في تلك الفترة من صراع التيارات والتوجهات السياسية، إلا أن انتصارها لم يكن ليتحقق بذلك الوقت لولا مُساندة الأنظمة السياسية المُعتدلة والمُحافظة ووقوفهم معها مُتحدين في مواجهة أصحاب التوجهات اليسارية، والراديكالية، والإقصائية، والمُتطرفة. ومُنذُ تلك اللحظة التاريخية التي انتصر فيه الاعتدال والمحافظة على الراديكالية واليسار، أصبحت الولايات المتحدة القطب العالمي الأوحد بعد فناء نظام القطبين الدوليين بتفكك الاتحاد السوفيتي. فإن كان ذلك هو الواقع التاريخي، فهل يعني أن الولايات المتحدة حافظت على تلك القيم الانسانية السَّامية، والعلاقات الدولية المُتزنة، وعملت على تعزيزهما عالمياً؟!

المفترض أن تكون الإجابة على تلك التساؤلات بالإيجاب انطلاقاً من حرص الولايات المتحدة على المحافظة على مكانتها العالمية الرائدة، وتعزيزها من خلال الوفاء للعلاقات والشراكات الدولية المتميزة مع تلك الدول والأنظمة التي تحالفت معها وساندتها في سبيل نشر القيم الإنسانية السَّامية ومواجهة التوجهات اليسارية والراديكالية والمُتطرفة؛ إلّا أن هذا الافتراض المنطقي لم يتجاوز الأمنيات بكثير حيث الوفاء للعلاقات لم يتحقق، وتعزيز الشراكات لم يعد من الأولويات. نعم، فبعد أن خسر اليسار الراديكالي مكانته العالمية لصالح الاعتدال والوسطية التي قادتها الولايات المتحدة، وجد هذا اليسار مكاناً متاحاً له داخل الولايات المتحدة نفسها، الدولة التي كانت تُحارب تلك التوجهات اليسارية، والراديكالية، والإقصائية، والأنانية، والمتطرفة. نعم، لقد بدأ بروز وتأثير اليسار والراديكالية في سياسة الولايات المتحدة بعد فترة قصيرة جداً من تفرد الولايات المتحدة بقطبية السياسة العالمية وذلك من خلال تبني الطروحات الفكرية اليسارية والراديكالية والتوجهات الاقصائية في تعاملات وسياسات الولايات المتحدة خارجياً حتى تجاه الدول والأنظمة والحضارات والثقافات التي كانت حليفة رئيسية للولايات المتحدة فترة مواجهة التيارات اليسارية والتوجهات الراديكالية. ففي منتصف التسعينات من القرن العشرين، بدأت الأصوات اليسارية والراديكالية تظهر بقوة داخل الولايات المتحدة مطالبةً بأهمية الحذر -خاصة- من الحضارة الإسلامية -الخضراء- وأتباعها بدعوى أنها حضارة تُعادي الحضارة الغربية، ومن تلك الطروحات اليسارية الراديكالية طرح الدكتور صمويل هنتنجتون "صدام الحضارات أو صراع الحضارات" عام 1993م، حيث يرى أن صراعات ما بعد الحرب الباردة ستكون بسبب الاختلافات الحضارية والثقافية بين البشر، وليس الاختلافات القومية او السياسية أو الاقتصادية. وبالإضافة لهذا الطرح اليساري والراديكالي تجاه الثقافات والحضارات، ظهرت طروحات يسارية وراديكالية ومتطرفة داخل الولايات المتحدة تُنادي بمعاداة جميع الأنظمة السياسية التي لا تتبنى المنهج السياسي الغربي القائم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

لقد مثَّلت تلك الطروحات الانطلاقة القوية نحو تأثير التوجهات اليسارية والراديكالية على السياسة الخارجية الأمريكية لتتوالى بعدها المواقف السياسية التوسعية والعِدائية تِجاه المجتمع الدولي مُغلِفةً تلك السياسات اليسارية والراديكالية والاقصائية بدعاوى مُتعددة منها حماية الأمن القومي الأمريكي، وتصدير قيم الحرية والديمقراطية بمفهومها الغربي، والتدخل في شؤون الدول الداخلية بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات خاصة تلك التيارات اليسارية والراديكالية والاقصائية، بالإضافة لاحتكار تصنيف العدو من الصديق، والمعتدل من المتطرف، والحرية من الإرهاب، وغيرها من مصطلحات تم تسييس تعريفاتها لتتوافق مع توجهات اليسار الراديكالي الذي تصاعد تأثيره داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكي. وقد أدى تصاعد تأثير اليسار الراديكالي إلى اتخاذ سياسات متطرفة تجاه حُلفاء الولايات المتحدة التقليديين خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م التي تبعها غزو أفغانستان 2001م، واحتلال العراق 2003م، والتدخل في شؤون الدول العربية بعد أحداث 2011م حيث تسببت بحالة من الفوضى السياسية في بعض الدول العربية، بالإضافة إلى دعم راديكالية إيران المُتطرفة من خلال الاتفاق النووي 2015م الذي يمنحها مستقبلاً حق امتلاك السلاح النووي، وصولاً إلى اقتراح مشروع قانون "نوبك NOPEC، 2022م"، القاضي بإدخال تعديلات على قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي لإلغاء الحصانة السيادية التي تحمي أوبك وشركات النفط الوطنية في دولها الأعضاء من الدعاوى القضائية، بحيث يمنح هذا القانون -حال إقراره- المدعي العام الأميركي حق مُقاضاة أوبك وأعضائها أمام محكمة اتحادية أميركية، بالإضافة لإمكانية مُقاضاة مُنتجين آخرين في أوبك+.

إن هذا التأثير المُتواصل والمُتصاعد للتوجهات اليسارية والراديكالية والاقصائية في الولايات المتحدة سيؤثر تأثيراً سلبياً وعظيماً على علاقاتها الخارجية -خاصة مع حلفائها التقليديين والمؤثرين في السياسة الإقليمية والدولية مما يدفعهم دفعاً لتغيير وجهة تحالفاتهم الاستراتيجية-، وسيؤدي تدريجياً لتراجع كبير في مكانة أميركا العالمية لصالح تحالفات دولية تقوم أسسها على تُقدير الصداقات والشراكات والعلاقات الثنائية، واحترام السيادة الوطنية، وحفظ المواثيق والتعهدات الدولية. إنها الحقيقة الغائبة عن اليسار الراديكالي الأميركي الذي أصابه العمى عن رؤية نتائجها الكارثية والمدمرة على الأمم العظمى التي سبقت بعظمتها ونفوذها عظمة ونفوذ الولايات المتحدة بعدة قرون.

وفي الختام من الأهمية القول بأن على أبناء الولايات المتحدة قِراءة التاريخ بعمق وهدوء ليتمكنوا من استيعاب دروسه بعناية شديدة لأنه سيمكنهم من أن يأخذوا ما يفيدهم، ويعلي من مكانتهم، ويعز من شأنهم بين الأمم -كما فعلوا من قبل-، وسيعرفهم بالأخطاء التاريخية التي وقعت بها كثير من الأمم التي سبقتهم وتسببت بفنائهم. إنها حكمة التاريخ التي يجب أن تستمد من رحم التجارب وثراء الأفكار والطروحات إن أرادت الولايات المُتحدة المحافظة على مكانتها العالمية، أو السعي نحو المجهول خلف أصحاب التوجهات اليسارية والراديكالية والمُتطرفة لتحصد نتائجها المريرة حيث التراجع في العلاقات، ثم عزلة دولية، حتى فقدانها مكانتها العالمية.