قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الحرب في أوروبا لم تكمل شهرها الثالث، شمر الأكاديميون عن سواعدهم وهم منكبون على تحليل الآلة الإعلامية التي ترافقها.
وقد لا نبتعد عن الحقيقة كثيرا إن قلنا إن الحرب الطاحنة هذه التي تدور رحاها بين روسيا وأوكرانيا، حرب كلامية أيضا وإن للكلمة فيها وقعا وصدى ربما يوازي جعجعة الأسلحة الفتاكة المستخدمة فيها.
وهذا قول خطير، لأن كيف للكلمة أن يكون لها تأثير السلاح في حرب يراها ليس الباحثون والأكاديميون والخبراء فحسب، بل العسكريون أيضا على أنها بمنزلة حرب عالمية ثالثة.
في الحرب هذه، هناك اصطفاف بين أهم قطبين يصنعان السلاح الفتاك. فروسيا دولة لا تدور حرب في الأرض إن لم يكن لسلاحها وجود. أما أوكرانيا، فهي دولة يقف خلفها أكبر حلف عسكري في العالم تقوده الولايات المتحدة، القوة الأعظم في الدنيا من حيث تصنيع السلاح.
السلاح الروسي يواجه سلاح حلف الناتو الذي تصنعه أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول فائقة التطور في صناعة وتكديس السلاح.
ولهذا، فإن ما نلاحظه من تدمير وقتل وحرق وخسائر قد لا يكون مثيل لها حتى في قياسات الحرب العالمية الثانية. ربما لم يبق سلاح، عدا سلاح التدمير الشامل، إلا وضخه المحاربون في ساحة المعركة.
وأظن أن الساحة، التي من خلالها تنقل الوسائط الإعلامية سير وأحداث وسياق هذه الحرب لنا، مزدحمة كما تزدحم ساحة معركتها بالسلاح الفتاك.
والأكاديميون المختصون بالدراسات الإعلامية لا بد أن تنتابهم الدهشة لجعجعة الخطاب "اللغة والصور الثابتة والمتحركة" التي ترافق الحرب ونقلها ووصفها وتغطيتها من خلال الجرائد والتلفزيون ووسائل التواصل الجماهيري.
في الطرف الغربي، ومعه حلف الناتو، بدأنا نلحظ التكرار في الأطر الخطابية "مفردات وعبارات وجمل" تعكس نهجا محددا لم تحد عنه الصحافة ولم تمحصه أو تمتحنه باستخدام وسائل تقيس النزاهة والموضوعية التي لا بد أن تأخذ مساحة كبيرة ومهمة في أدلة الأسلوب التي تعتمدها.
وفي الطرف الروسي، هناك صرامة في التشبث بأطر خطابية محددة جلها يعكس التوجه الرسمي واللغة الدارجة على ألسنة الساسة وكبار العساكر.
لا مقارنة بين صوت الغرب وصوت روسيا. الصوت الغربي - أي صوت أوكرانيا - هو الطاغي. إن كان المرء مندهشا للماكينة الصناعية للغرب التي بإمكانها إغراق الدنيا بمنتجاتها محكمة التصنيع، فإن ماكينته الإعلامية قد تتحدى الوصف لسعتها وحجمها وتأثيرها.
كثافة الإعلام الغربي تجعل من العسر بمكان خصوصا للمتلقي من عامة الناس فرز الغث عن السمين. شح الإعلام الروسي مقارنة بالإعلام الغربي وتحديد البوصلة مسبقا والتشبث بها نصا كما هي تجعل من اليسر بمكان للمتلقي من عامة الناس فرز الغث والبحث المضني عن السمين، هذا إن وجده.
الإعلام الغربي مدرار وواسع وكثيف. في حلته القشيبة ينحو صوب التكرار والتأكيد والضغط على أطر خطابية محددة سرعان ما يتلقفها المتلقي وسرعان ما يتبناها الإعلام في أغلب مناطق العالم.
وأهم ركن خطابي يتبناه الإعلام الغربي عندما يكون الغرب طرفا في حرب أو صراع، هو ركن التخويف من الطرف الآخر وإظهاره كبعبع أو غول إن لم يتم احتواؤه وإسقاطه سيأكل الأخضر واليابس.
وهذا ما يجري حاليا في غمار الحرب الدائرة الآن في أوروبا. تعرضت السويد وفنلندا إلى خطاب أو أطر خطابية سقطت عليهما بغزارة المطر في يوم ربيعي، ما جعل الناس في هذين البلدين يخشيان هجوما روسيا وشيكا.
فلا غرابة أن يعزو الباحثون سبب التغير في المواقف من الحياد الإيجابي إلى الاصطفاف مع حلف عسكري إلى غلاظة وسمك الأطر الخطابية المخيفة التي انهمرت على الدولتين إلى درجة أنهما هرعا مسرعين للانضمام إليه، مغادرين حيادا كان شبه مقدس لديهما.
كثيرة هي الكتب والأبحاث التي تظهر لنا كيف أن الإعلام يسهم في صنع القناعات وتكوين الرأي العام وتغيير المواقف والتجييش ضد معارض أو مناوئ، إلا أن الحرب عموما تشبه البوتقة نصهر فيها الكلام والخطاب ونفرغه في قوالب جاهزة من صنعنا.
البوتقة التي يصهر فيها الإعلام الغربي خطابه وإلى درجة عالية جدا من الحرارة واسعة بسعة السلاح الذي يزج به في هذه الحرب المدمرة. والبوتقات في الأغلب صغيرة نسبيا ونستخدمها لصهر الذهب والفضة أو الفلزات لصناعة مواد جميلة وبريئة، بيد أن بوتقة الإعلام الغربي المرافقة لهذه الحرب تصهر فيها الكلمات والأطر الخطابية التي تزيد في أوراها ونارها.