كيف سيتم التعاطي مع المآزق التي ستواجه الجميع، بعد الانتخابات؟

«حزب الله» بعد الخيبة التي أصابت حساباته بالحصول على الأكثرية المطلقة على الأقل، يتأرجح بين الدعوة إلى التهدئة على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، والتصعيد على لسان رئيس كتلته النيابية الحاج محمد رعد وبعض نوابه. بل إن تقييم الحزب بين القول إن لا أحد يمكنه الادعاء أنه حاز الأكثرية وبين نصح الفريق الخصم بالتصرف بمسؤولية والحوار والتلاقي لإنقاذ البلد بعدما «فزتم». والتناقض الذي يتحكم بخطاب الحزب بعد النتائج لا يقتصر على الفرق بين ما قاله الأمين العام وبين ما قاله رئيس كتلته، بل يكمن أيضاً في الخطاب الواحد. فبين القول إن لا أكثرية لأي فريق وبين الإشارة إلى فوز الفريق الآخر، الذي تتحكم به التناقضات والتمايزات أيضاً على رغم أن ما يجمع أطيافه المعارضة هو الموقف من الحزب وسلاحه وخياراته.

وسواء صحت أي من القراءتين لدى الحزب أو كان كلاهما صحيحاً، فإن الانتخابات حد فاصل بين الخطاب التعبوي من كل الجهات، وبين الواقع الذي يحتم على الفرقاء خوض تحدي البحث بالحلول للقضايا الاقتصادية الملحة، بعد التدهور في الأوضاع المعيشية الذي أخذ يزداد في اليوم التالي. لكن حصول هذه الانتخابات لن يلغي طرح مسألة سلاح الحزب الذي لن يتوقف فرقاء كثر عن طرحه في المرحلة المقبلة. قد يأخذ شعار توحيد السلاح تحت إمرة الدولة ورفض الدويلة ضمن الدولة إجازة قسرية بسبب أولوية مقاربة الأزمة الاقتصادية. وإنكار ذلك من قبل «حزب الله»، يعني دفن الرؤوس في الرمال. وباتت هذه المسألة قضية تتم إثارتها بانتخابات أو بدونها، داخل البرلمان من العديد من النواب الجدد الذين دخلوه، او ممن هم خارجه. وبين هؤلاء مرجعيات دينية مسموعة ولها تأثيرها في الداخل والخارج، في مقدمها البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي.

بالإضافة إلى هذا المأزق، يطل مأزق آخر من المعضلات المتناسلة على جميع الفرقاء هو انتخاب رئيس البرلمان ونائبه. فرفض الفريقين المسيحيين الرئيسيين اللذين حصلا على كتلتين نيابيتين وازنتين (حزب القوات اللبنانية 20 نائباً والتيار الحر 18 نائباً) في البرلمان الجديد، انتخاب الرئيس نبيه بري لولاية ثانية، ومعهما معظم نواب قوى التغيير ومن تحالفوا معهم، الذين حصدوا عدداً لا بأس به من المقاعد، زائد نواب الكتائب الأربعة، يضع القيادة الشيعية في موقع حرج لاضطرارها للإقدام على المساومات مع بعض هذه الكتل. فالحزب أمام اختبار قدرته على ثني « التيار الحر» عن الامتناع عن الاقتراع لبري، مثلما أن قيادة «التيار» أمام اختبار الثبات على موقفها مقابل أو الدخول في مساومة جديدة تحت ضغط «حزب الله»، الذي قام بكل ما يستطيع للتقليل من خسائر الحليف على الساحة المسيحية. ففي المساومات على مواقف معلنة سابقة، خسائر جديدة أمام الجمهور العريض ولا سيما المسيحي.

لكن جميع الذين يرفضون التجديد لبري هم أمام مأزق بدورهم، طالما أن لا بديل عن أبو مصطفى لأن النواب الشيعة كافة هم تحت عباءة الثنائي، ولم ينجح أي نائب من خصوم «الحزب» وحركة «أمل». وإذا كان عليهم اختيار غيره فسيكون من بينهم. وفي هذا المجال طرح السؤال: ماذا لو رشح الثنائي غير بري مثل النائب محمد رعد، أو قبلان قبلان؟

الوجه الآخر لمأزق معارضي بري أن إبقاء البرلمان بلا رئيس يعني تعطيل السلطة التشريعية، الذي يعني تعطيل اختيار رئيس للحكومة وعملية تأليفها، لأن على التشاور مع الكتل يتوقف تركيب التوازنات فيها، فضلاً عن تعطيل نيلها الثقة وصولاً إلى أن البرلمان لن يكون قادراً على إقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة من أجل إنجاز الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. فهل هذا السيناريو ممكن في وضع البلد المأسوي وعندها يصدق تشبيه ما سيؤول إليه بالوضع في العراق، حيث لا رئيس برلمان ولا رئيس حكومة وحكومة ولا رئيس جمهورية منذ الانتخابات النيابية.

بعض الفريق الحاكم يدغدغه سيناريو كهذا لأن تناسل المآزق، وفق توقعاته قد يؤدي إلى مؤتمر دولي يجمع اللبنانيين ويحملهم على اتفاق ما. وعندها يعود هذا الفريق إلى الأضواء على أمل أن يكون له دور في المعادلة الجديدة. لكن العائق الأساسي أمام هذه «الرغبة» هو العثور على جهة دولية مستعدة للمغامرة برصيدها من أجل الاهتمام بالمآزق اللبنانية، فيما الأولويات في أوكرانيا وفيينا والأمن الغذائي العالمي وارتفاع سعر النفط والغاز...