أسقط الفريق الرئاسي ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل خطة الكهرباء مرة أخرى، ضارباً عرض الحائط بمعاناة اللبنانيين، من دون أن يرفّ لرموز هذا الفريق جفن أو يتردّد للحظة.

بعد أن جرى الاتفاق على مباشرة إجراءات قبول العرض الذي قدمه تحالف «جنرال إلكتريك» و»سيمنز» لإنشاء معملين في الزهراني ودير عمار، كل منهما بقوة 900 ميغاواط، لتشغيلهما على الغاز، على أن يستغرق بناؤهما بين 16 و18 شهراً يسدد لبنان كلفتهما بالتقسيط على مدى 12 سنة بقيمة تناهز الـ120 مليون دولار سنوياً، أُحبِط الأمر.

بصرف النظر عن التفاصيل التقنية الكثيرة، يؤدي هذا العرض إلى جعل كلفة الكيلوواط الواحد على لبنان والمستهلك اللبناني ما يناهز الـ 7 سنتات، مقابل الكلفة الحالية عليه والتي تناهز الـ30 سنتاً التي يدفعها اللبناني، مقابل الطاقة المقننة التي تزوده بها شركة كهرباء لبنان، والمولدات الخاصة التجارية...

إثر تقديم العرض لوزارة الطاقة، وتبلّغ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بنسخة منه، اتُفق على وضع دفتر شروط لاستدراج العروض، بهدف التعاطي بشفافية، ووفق الأصول ولو كان العرض تمّ على أساس التوصل إلى اتفاق بالتراضي، على أن تدخل بالمنافسة شركتان إضافيتان، هما ألستوم الفرنسية وميتسوبيشي اليابانية. (ألستوم شريكة مع جنرال إلكتريك).

الاتفاق مع «الفريق الرئاسي» كان أن يتمّ تكليف شركة كهرباء فرنسا (E.D.F ) بعقد رسمي معها، وضع دفتر الشروط، وتقييم العروض ومراقبة التلزيم والتنفيذ. قيمة العقد مليون وستمئة ألف يورو، وأن يتم إقرار تفويض وزارة الطاقة بتوقيع العقد وإعلان استدراج العروض عند جهوزية دفتر الشروط في مجلس الوزراء. لكن الأمور تعثرت وأدّت إلى سحب وزير الطاقة البند المتعلق بهذين الأمرين من جدول أعمال مجلس الوزراء بعد طول عناء من البحث والأخذ والردّ بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وبين «الفريق الرئاسي»، أثارها الأخير تباعاً وفي كل مرة يتم فيها تذليل إحدى العقبات التي أثارها، لتأخير البت بالملف الذي يعاني منه البلد منذ أكثر من 12 سنة.

بداية اعتبر هذا الفريق أن العقد مع شركة كهرباء فرنسا مرتفع، وجرى التفاوض معها فخفضته إلى مليون وأربعمئة ألف يورو. ثم طرح هذا الفريق أن يكون استدراج العروض لبناء 3 معامل كل منها بـ650 ميغاواطاً، بإضافة معمل في سلعاتا. ومع أن تقنية بناء المعامل الأصغر، تزيد الكلفة عند احتسابها على كل كيلواط، فإن الإصرار على معمل سلعاتا عاد بالبحث إلى نقطة الصفر، قياساً إلى الاتفاق الأول مع ميقاتي ببناء معملي الزهراني ودير عمار. روى ميقاتي في الكلمة التي وجهها إلى اللبنانيين يوم الجمعة جزءاً من الوقائع الكثيرة التي تتصل بما جرى في شأن هذا الملف، والذي وصفه بأنه «علة العلل»، وقال «لن أكون شاهد زور إزاء محاولات رهن البلد مجدداً بمصالح شخصية، أو التعاطي مع الملفات الحيوية بمنطق الشخصانية الذي كلف الخزينة أعباء باهظة منذ سنوات... ولن أقبل بدفع البلد إلى الانتحار، لأن هناك من يريد مصلحته قبل أي أمر آخر. سأقول كفى كلما لزم الامر وسأصارح اللبنانيين بكل أمر». وهو ما استدعى رداً من وزير الطاقة...

خلفية كلام ميقاتي بحسب العارفين، أنه حين اجتمع إلى الرئيس ميشال عون قبل جلسة مجلس الوزراء، أبلغه أنه حاول التعاون في شأن هذا الملف، لكن الأمور لم تسلك المسار الإيجابي، وأنه طالما لم يتمكن من تحقيق أي إنجاز في الكهرباء نتيجة الإصرار على بناء معمل في سلعاتا، فإنه لن يستطيع إكمال الطريق في رئاسة الحكومة بعد الانتخابات، وأنه يفضل «أن يتم التفتيش عن غيري في المرحلة المقبلة».

ومع أن الكثيرين يعتبرون، أنه إذا صح اتخاذ رئيس الحكومة هذا الموقف في مداولاته مع عون فإنه ليس موقفه النهائي وأنه يناور، فإن حسم أمر رئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة ما زال مبكراً. والأرجح أن ما أثار ميقاتي أنه ساير الفريق الرئاسي في تمرير بعض البنود على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء، ومنها نقل اعتمادات من الاحتياطي إلى وزارات لزوم تنفيذ مشاريع في البترون وغيرها من الأمور التي تهم «التيار الحر»، مقابل بند تلزيم الكهرباء الذي جرى سحبه بتعليمات من باسيل. فميقاتي، على رغم إطالته لائحة الإنجازات التي حققتها حكومته في بيانه، كان قرر أهدافاً متواضعة منذ تسميته تختصر بثلاثة: تلزيم إنشاء معملين لإنتاج الكهرباء بأقصى سرعة (استناداً إلى خريطة الطريق التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي تنص على المعملين)، إجراء الانتخابات النيابية، والاتفاق مع صندوق النقد الدولي على خطة التعافي. وأُضيفت إليها البطاقة التمويلية بعد أن كان ميقاتي متردداً في الإقدام عليها. لم يتمكن ميقاتي سوى من تنفيذ الانتخابات، ونصف اتفاق مع صندوق النقد، على رغم موافقة مجلس الوزراء المبتورة على خطة التعافي التي سيترك للبرلمان الحسم النهائي في شأن قوانينها. ولهذا حديث آخر يطول. فالصندوق ينتظر تمرير جردة القوانين الإصلاحية المعروفة التي طلبها قبل الإقرار النهائي للاتفاق.

تسمية رئيس الحكومة المقبل باتت مرهونة بإقرار تلزيم أو عدم تلزيم معمل سلعاتا. وفي كواليس القصر الرئاسي تسريبات عن السعي تارة إلى ترشيح شخصية مقيمة في الخارج، وأخرى عن شخصية من الصف الثالث في الداخل، فيما ينتظر المتابعون تبلور مواقف الكتل النيابية من انتخاب الرئيس نبيه بري لرئاسة البرلمان، وتموضعها ليبنى على الشيء مقتضاه.