قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يوم 25 مايو (أيار) عام 2000 انسحبت القوات الإسرائيلية مدحورة تحت ضربات المقاومة الإسلامية بعد نظيرتها الوطنية. كان العنوان الذي اختارته حكومة إيهود باراك هو تنفيذ القرار الدولي 425 الصادر عام 1978، الذي رفضت إسرائيل تنفيذه خلال 22 عاماً، لكن الأسباب التي أعلنتها كانت مختلفة. لم تذكر السبب المباشر، وهو أن الاحتلال صار عبئاً وتكلفته عالية بالدم والمال على إسرائيل. ركزت على تنفيذ الوعد الذي قطعه باراك أمام "الأمهات الأربع" خلال الحملة الانتخابية بإعادة الأولاد إلى الداخل. وأوحى رئيس الوزراء أنه أراد من الانسحاب سحب الذرائع من يد سوريا وإحراجها ودفعها إلى الانسحاب من لبنان كما فعلت إسرائيل.

غير أن المناخ في لبنان كان مناخ فخر بإنجاز مهم للمقاومة يتمثل في انسحاب إسرائيل بلا قيد ولا شرط على عكس نظائره من بقية "دول الطوق". وما رافق الفخر أولاً استعجال السلطة إعلان يوم 25 مايو من كل عام "عيد المقاومة والتحرير". ثانياً مسارعة "حزب الله" وإيران وسوريا إلى إخراج ملف من الأرشيف اسمه مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، والقول إن هذه أراضٍ لبنانية على إسرائيل الانسحاب منها بموجب القرار 425.

أما الهدف، فإنه الإعلان أن التحرير لم يكتمل، بالتالي يجب أن تبقى المقاومة الإسلامية وتحتفظ بسلاحها لتحرير الأراضي إن لم تنسحب إسرائيل، لكن دمشق ماطلت في الوصول إلى اتفاق مع لبنان على ترسيم الحدود وتقديم خريطة موقعة تسجلها بيروت في الأمم المتحدة وتجبر إسرائيل على الانسحاب. وما تكشف، حسب مذكرات فريدريك هوف الدبلوماسي الأميركي الذي كان يفاوض السوريين، هو "أن الرئيس بشار الأسد قال له صراحة مزارع شبعا سورية".

ذلك أن عمليات المقاومة التي قام بها "حزب الله" في مزارع شبعا كانت محدودة ثم توقفت. واللعبة تبدلت. "حزب الله" لم يعد يحتاج إلى ذريعة المنطقة للاحتفاظ بسلاحه. والمقاومة الإسلامية لم تعد معنية باستكمال التحرير على مدى 22 سنة من الانسحاب الإسرائيلي. وحين نشبت حرب 2006 بين إسرائيل و"حزب الله" ودامت 33 يوماً حتى صدور القرار الدولي 1701، فإن الحزب احتفل بما سماه "النصر الإلهي" من دون اعتبار لما لحق بلبنان من دمار وما قدم من ضحايا.

أما اهتمامه، فإنه تركز على ثلاثة أمور. أولها تكديس الصواريخ الإيرانية الصنع في لبنان لضمان ما سمي "توازن الردع" مع العدو. وثانيها استخدام سلاح المقاومة في حرب سوريا إلى جانب النظام وقوات الحرس الثوري الإيراني ثم القوات الروسية، والعمل على إقامة قواعد في الأراضي السورية المحاذية لخطوط فك الارتباط السوري-الإسرائيلي في الجولان المحتل، فضلاً عن التدخل بالعراق واليمن، وإقامة معامل في مناطق سورية لإنتاج "الكوبتاغون" وتهريب المخدرات عبر الأردن كما كشف الجيش الأردني أخيراً. وثالثها السيطرة على السلطة في لبنان بحجة الحاجة إلى "حماية المقاومة".

وعلى هذا الأساس أدار حسن نصر الله معركة الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان. وحين خسر الأكثرية النيابية التي كانت له ولحلفائه أمام القوى السيادية وقوى التغيير، فإنه عاد إلى الحديث عن "الأكثرية الشعبية" التي معه، بما يناقض "اتفاق الطائف" الذي أوقف لعبة "العد" بين الطوائف اللبنانية. ومنذ حرب 2006 حتى اليوم، فإن ما يعمله "حزب الله" وإسرائيل هو "خطورة تكرار الأخطاء ثانية"، كما يقول الخبير الأميركي في "معهد إنتربرايز" كينيث بولاك في مقال نشرته "فورين أفيرز"، تحت عنوان "الشرق الأوسط يكره الفراغ". فلا شيء منذ 2006 سوى التزام قواعد اللعبة. لا حرب.

والسؤال في "عيد المقاومة والتحرير" هو ما دور المقاومة من دون استكمال التحرير الناقص في لبنان؟ التمسك بتوازن الردع ليس الطريق إلى تحرير فلسطين. ولا هو مجرد حماية للبنان بمقدار كونه جزءاً مما تسميه طهران "جبهة المقاومة" في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغزة والتي هي "أعظم إنجاز لثورة الخميني"، حسب صحيفة "كيهان" ودورها تشكيل خطوط أمامية لحماية إيران ومشروعها الإقليمي. والأزمة المالية والاقتصادية والسياسية العميقة في لبنان بعد 22 سنة من التحرير وعيده تعيد التذكير بقول المتنبي: عيد بأية حال عدت يا عيد؟