كانت أولى رحلاتي إلى لبنان في أواخر السبعينات من القرن الماضي عقب اندلاع الحرب الأهلية هناك، وذلك خلال فترة الهدنة التي انعقدت بين أطراف الصراع وانتشرت خلالها قوات الردع العربية للإسهام في دعم استقرار وأمن لبنان، وقد انتشرت قوات الردع العربية بموجب قرار الدول العربية الذي دعا لإعادة الهدوء إلى هذا البلد العربي الجريح، ورغم مرور تلك السنوات إلا أنني ما زلت أتذكر حجم الدمار الذي خلفته الحرب التي اندلعت في عام 1975، ورغم ويلات الحرب إلا أن بيروت كانت تمثل -آنذاك- وجهة سياحية مفضلة للكثير من العرب، وخلال فترة الهدنة ظلت لبنان محط زيارة الأسر العربية.

بيد أن فترة الهدنة لم تستمر كثيراً؛ فقد تجدد الصراع بين الفصائل اللبنانية المتناحرة مرة أخرى، وذلك لأسباب عديدة يصعب ذكرها في هذا الحيز البسيط، غير أن أحد أهم أسباب تجدد الخلافات هو عدم قبول أطراف الصراع لأي صيغة توافقية لإنهاء الحرب التي أشعلها أمراؤها بأنفسهم، وخلال فترات الصراع التي استمرت لعقود في لبنان سقط عشرات الآلاف من اللبنانيين ما بين قتيل وجريح، وقد أغوت هذه الصراعات إسرائيل لاجتياح الأراضي اللبنانية عام 1982 بحجة وأد الإرهاب -على حد تعبيرها- غير أنه من المؤكد أن عدم استقرار لبنان السياسي وافتقادها للأمن يثير دوماً لعاب العديد من الأطراف المتربصة بالمنطقة، لاستباحة أراضيها واستخدامها كمنطلق للعمليات الإرهابية الممنهجة.

يردد العديد من الساسة اللبنانيين أن لبنان دولة ديموقراطية، وأن صناديق الاقتراع هي من تختار الرئيس والبرلمان، وبعيداً عن الإسهاب في تحليل نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فإنه مما لا شك فيه أن ديموقراطية لبنان البعيدة عن أرض الواقع هي سبب الفوضى التي حلت بالبلاد، فالديمقراطية كمفهوم شامل ومتكامل منهج يهدف لدعم الاستقرار السياسي في أي بلد من خلال ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية، وبالتالي فإن المراكز الانتخابية والبرلمان وعمليات الاقتراع وفرز الأصوات (وكل تلك المظاهر) ليست هدفاً بحد ذاته، وما لم تصب المظاهر الديمقراطية في مصلحة الشعوب ورفاهيته فلا فائدة منها على الإطلاق.

الديمقراطية ليست مجرد شعارات رنانة للزهو والاحتفاء أو للتفاخر والتشنج الأعمى، كما أنه لا يمكن استخدامها بطريقة منحازة لتصب في صالح حزب معين دون غيره، وإلا فهي ليست سوى ديكتاتورية مقنعة، وهي منهج قمعي في جوهره يتزين بزي الديمقراطية البراقة، فعندما تعجز الديمقراطية عن إيصال رئيس ملائم لسدة الحكم، وتعجز عن تمكين الرئيس من اختيار شخصية رئيس الوزراء لأنه قد لا يتمكن من تشكيل حكومة يوافق عليها البرلمان، وعندما تفشل في تمكين رئيس الوزراء من اختيار وزرائه لتنفيذ أهداف الدولة، فهي محض هراء ومظاهر فارغة لا تمت بصلة للديموقراطية الحقيقية من قريب أو من بعيد.

بعض المظاهر السياسية في لبنان تفتقد لأبسط مفاهيم الديموقراطية، بل إنها أسوأ من النظم ديكتاتوريةً، فكيف لا يتمكن أحد المنتميين لحزب أو تيار معين من خوض الانتخابات لأن رئيس حزبه المنتمي إليه يرفض خوض الانتخابات؟ وكيف يعقل أن يُفرض على رئيس الوزراء تحديد وزير معين منتمٍ لحزب معين لضمان موافقة الأغلبية في البرلمان؟ مثل هذه الديموقراطية تُدخل الدولة في منظومة فشل سياسي وأمني يتحمل تبعاتها المواطن البسيط.

الديموقراطية هدف وليست غاية، وآلية وليست شعاراً، وهي عملية متكاملة وليست إجراءات مجتزأة مقتطعة من سياقها العام، وذلك حتى يتمكن البعض من السياسيين الانتهازيين من استغلالها لتحقيق مآربهم الشخصية وأهدافهم الذاتية، حتى لو وصل الأمر لإدخال الدولة في حالة من الشلل السياسي التام، لتظل بلا رئيس أو بلا رئيس وزراء لفترات زمنية طويلة قد تمتد لشهور، ضاربة عرض الحائط بمصلحة المواطن والدولة ذاتها معاً.

للأسف ديموقراطية لبنان جعلتها في حالة فشل سياسي وأمني دائمة، وأدخلتها في دوامة من الحروب الأهلية، كما أن وجود حزب الله وتبعيته المطلقة لإيران حولته إلى بلد يعيش فوق صفيح ساخن، والأسوأ من ذلك أن تلك الأزمة تستغلها بعض الفئات الانتهازية لتعظيم مصالحها ومحاربة الأطراف المناوئة لها، غير عابئة بغرق السفينة وسط موجات البحر العنيفة المتلاطمة، لبنان بحاجة إلى دماء شابة فتية تعيد ضخ الدماء في عروق الحياة السياسية الصدئة فيها، التي تعاني من ثقل وطأة الأحزاب القديمة التي استمرت لعقود، فبعض الأحزاب الموجودة حالياً بلبنان تسيطر عليها مجموعة من القوى المتصدرة المشهد السياسي منذ ثمانينات القرن الماضي.

لطالما أغرى الوضع المتزعزع غير المستقر في لبنان القوى الانتهازية في المنطقة كسوريا وإيران للتغلغل فيها، ومهد لهم الطريق تماماً لفرض نفوذهم داخل الحلبة السياسية ومكنهم من تمزيق المزيد من الجسد اللبناني، وقد يعتقد البعض أن الحرب الأهلية في لبنان قد انتهت وأن الصف اللبناني التأم على نحو متكامل، غير أن هذا الأمر غير دقيق، فالحرب في لبنان مستمرة، وستستمر إلى أن يتوحد الصف اللبناني ويلتف حول غاية واحدة، وهي تحقيق الأمن والاستقرار للشعب اللبناني كله بجميع طوائفه المتعددة، ومثلما نجحت العديد من الدول -كالهند وباكستان اللتين تتميزان باحتوائهما على طوائف مذهبية متعددة بل ومتناقضة فكرياً في بعض الأحيان- في تجاوز تحدياتهما والاستقرار أمنياً وسياسياً، فإن على لبنان أيضاً أن تتحد وتلتف حول غاية سياسية عليا تضمن أمن شعبها واستقراره.