تمر منظمة التجارة العالمية الآن بفترة حرجة من تاريخها الحافل بالإخفاقات، بما في ذلك الانهيار المذهل لاجتماع سياتل الأمريكية عام 1999، وكانكون المكسيكية في 2003، وفشل المؤتمر الأخير في بوينس آيرس الأرجنتينية عام 2017، ولهذا، فإن اجتماع المنظمة هذا الأسبوع في جنيف يعد بمثابة اختبار حقيقي لنظام التجارة الحرة، فإذا لم تتمكن المنظمة من التوافق بشأن قطاف بعض الثمار المتدلية مثل تخفيف إعانات صيد الأسماك، وتعريفات التجارة الإلكترونية، فسيكون الأمل ضئيلاً في تحقيق الأهداف الأكثر صعوبة مثل مكافحة التغير المناخي، أو دعم النظم الغذائية في مواجهة جائحة الجوع.

لكن السؤال الأكبر يتعلق بمدى قدرة المنظمة على إقامة تعاون دولي موثوق، بعدما حفزت الأزمات المتلاحقة على تشريح العولمة، ليتحول التركيز صوب السوق المحلية، وتعزيز الصناعات الوطنية، وإذا تمسكت بعض الدول بنزع أحشاء منظمة التجارة، فسيكون من الصعب استخدامها في المستقبل لتحقيق أهداف التجارة متعددة الأطراف، باعتبارها جزءاً من الحل في أزمات طاحنة مثل الجائحة، والحرب الروسية الراهنة، والفجوة بين الأغنياء والفقراء في سرعة تلقي لقاحات كورونا، واحتواء فتيل النزاع التجاري بين الاقتصادات المتناحرة.

يقيناً، فإن دفع سلاسل التوريد إلى مربع التكتلات السياسية ستكون له عواقب كارثية على المدى الطويل، إذ سيؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5%، وهذا رقم مذهل للغاية، بعدما تم بناء النظام التجاري متعدد الأطراف على مدار 75 عاماً، والذي أسهم بكفاءة في انتشال أكثر من مليار إنسان من براثن الفقر، ولكن الخطر يكمن الآن في تنامي رقعة الانقسام الدولي الذي يدفع باتجاه أزمة جوع غير مسبوقة، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء بشكل جنوني.

فعلياً، لا توجد خلفية أكثر صعوبة من اجتماع هذا الأسبوع، حيث يتطلب الأمر إقناع 164 دولة بأن زعزعة استقرار التعددية لن يجعل سياساتها المحلية أفضل، بل ستجعلها أسوأ، ولتحقيق ذلك، يتعين على المنظمة حشد الجميع للموافقة على القرارات المرتقبة، والتي سيؤدي تعطيلها إلى ترسيخ فكرة العجز المزمن عن التوصل إلى صفقات تجارية كبيرة.

وبالرغم من أنني استبعد تحقيق اختراقات كبيرة، لأن التوافق يبدو مستحيلاً، إلا أنه حتى التقدم المتواضع سيوفر أساساً لتجارة عالمية أكثر استقراراً، وإذا أعدنا التأكيد على مركزية التعاون متعدد الأطراف، فسيسهل في المستقبل توسيع جدول الأعمال، والهدف الأسهل في الشباك، هو البدء فوراً في إصلاح المنظمة عبر عملية شفافة وشاملة تعالج مصالح كل الأعضاء.