أُصارحكم، بأنني قبل يوم من افتتاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «رعاه الله»، ما يمكن أن أصفه بدار للحكمة في دبي، جال ببالي خاطرٌ عنه هكذا: هل يعقل أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يتوقف طويلاً عن تدشين مشارع جديدة ومبهرة؟ لم يمر على هذا الوارد يوم واحد حتى لاحقني خبر افتتاح «مكتبة محمد بن راشد»، ومن بعده توالت الصور عليّ تباعاً من أكثر من مصدر.

فرحتي الشخصية كبيرة، ولكن فرحة الوطن بذلك أعظم، وكم كنت ملحاحاً على المسؤولين عن الشأن الثقافي بدبي عن ساعة الصفر لهذا الصرح الذي سوف يضيف إلى قطار المعرفة معنى آخر لا يدرك مراميها إلا رواد هذه المكتبات في الداخل أو الخارج. فالهدف واحد يقع في خانة «هل من مزيد».


نورد قبساً من نور كلمات سموه أثناء مراسم افتتاح محراب العلم، كما جاء على تويتر: (افتتحنا بحمد الله «مكتبة محمد بن راشد». صرح للعلم ومنارة للمعرفة.. تضم 9 مكتبات تخصصية.. وأكثر من مليون كتاب.. و6 ملايين أطروحة بحثية.. وتكلفت مليار درهم.. هدفنا ترسيخ هويتنا وثقافتنا وفكرنا.. وصنع مستقل أجيالنا). (أول وصية من السماء للأرض هي كلمة «اقرأ».. الاقتصاد بحاجة للمعرفة، والسياسة بحاجة للحكمة، والأمم بحاجة للعلم.. وكل ذلك موجود في الكتاب.. ولدينا اليوم صرح لملايين الكتب نضمن به تطوير مسيرتنا التنموية.. وحياة وفكر أجيالنا..). وفقاً لرؤية سموه تعتبر المكتبات أقوى أدوات التواصل الحضاري بين البشر حين أكد بقوله: «قبل أكثر من ألف ومائتي عام ابتكر الخلفاء العباسيون مفهوم التواصل المنظم بين الحضارات، ولم يسجل التاريخ المكتوب انفتاح حكام مثلهم على حضارات الآخرين وثقافتهم، وكانت حصيلة ذلك أن جمعت بغداد كل ما أبدعه العقل البشري في مكان واحد، وأسست أول جامعة في العالم «بيت الحكمة»، الذي ضمت مكتبته أفضل ما أنتجته الثقافات الإغريقية والسريانية والرومانية والفارسية والهندية من علوم وآداب.. لعل أعظم إبداعات الحضارة الإسلامية هي العولمة.. عولمة الثقافة والعلوم والمعرفة، حيث أخذت حضارتنا الإسلامية من باقي الحضارات وأعطتها وانتفعت من جميع الثقافات ونفعتها».


تأسست المكتبات العامة في إمارة دبي مع نشأة الإمارة العصرية، أوائل ستينيات القرن الماضي، حيث بنيت أول مكتبة عامة بمنطقة «الراس» في بر ديرة على ضفاف خور دبي لتكون شذرات من ذهب الثقافة والفكر مع شريان الاقتصاد بالمال والأعمال، ومن هنا كانت بداية اقتصاد المعرفة والتقائه بقوة العلم.

جيل الخمسينيات، كان ملاذه ومحراب عبادته هذه المكتبة الوحيدة آنذاك، ولم يكن الوصول إليها بهذه السهولة، لأن الوسيلة المتاحة كانت إما عبر استئجار العَبرة وهي «التاكسي المائي» في ذلك الزمن الجميل، أو العبور سباحة. اليوم نمت شجرة المكتبة العامة فأصبحت فروعها تسعة في مختلف مناطق الإمارة التي تنام وتصحو على المبادرات الخلاقة، وها نحن بانتظار الإعلان عن تدشين المكتبة الوطنية بعاصمتنا الحبيبة أبوظبي في القريب العاجل، وخاصة بالنسبة لنا الجيل الذي ترعرع في كنف المجمع الثقافي.