قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الحرب الروسية - الأوكرانية وما نتج عنها من تفاقم أزمة القمح، وارتفاع أسعار المحاصيل الأساسية الأخرى، مثل الذرة وفول الصويا، ونقص الأسمدة، وتصاعد الضغوط التضخمية على المستهلكين في جميع دول العالم، وشدة التقلبات الاقتصادية من جهة أخرى، بسبب سرعة وتيرة رفع معدلات الفائدة، ومشكلات التسليم اللوجستي المتزايدة، كلها تشكل تهديدات استراتيجية على أي اقتصاد مهما كان قويا.
تشير بيانات صندوق النقد الدولي، إلى أن الجائحة وحدها خفضت نصيب الفرد من الدخل بمقدار 2.8 في المائة سنويا في الاقتصاديات المتقدمة، و6.3 في المائة في الأسواق الصاعدة والنامية، باستثناء الصين، ومن المؤكد أن تلك المعدلات مستمرة في التراجع بعد أزمة روسيا وتداعياتها على الاقتصادات المتقدمة والناشئة والنامية، أي: إننا نواصل خسارة مكاسب العقود الماضية في محاربة الفقر، وزيادة تصيب الفرد من الدخل على المستوى العالمي بسبب هشاشة الوضع الاقتصادي منذ 2020، إضافة إلى أن الدول الفقيرة ومنخفضة الدخل وبعض الدول الناشئة تعاني محدودية تأثير السياسات الاقتصادية الكلية للحد من آثار التضخم والديون وتداعيات الأزمة الروسية.
المشهد الحالي يوضح أن أزمات ستكون في الغذاء والإمدادات وتدهورا في أسعار صرف عملات بعض دول العالم بسبب ازدواجية ارتفاع سعر الفائدة والتضخم والركود، أي: صعود في الأسعار مع نمو اقتصادي محدود، إضافة إلى تباطؤ حركتي رأس المال للاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI والقوى العاملة بين الدول.
لا يزال من غير الواضح مدى قدرة الأدوات الاقتصادية الحالية على معالجة آثار الأزمات أو التخفيف من حدتها، لكن من الملائم في ظل الظروف المعقدة، وحالة عدم اليقين الحالية ومشكلات سلاسل الإمداد الغذائية والسلعية، أن تتبنى الدول الإقليمية سياسات تعاون اقتصادي لضمان الأمن الغذائي والطاقة وتأمين القطاعات الأساسية الأخرى بحسب الميزة النسبية بين الأقاليم.
التعاون الاقتصادي على أساس إقليمي منهج استراتيجي يصعب تحقيقه في فترات زمنية قصيرة، لكن في الأزمات أعتقد أنه من أفضل الخيارات ويفتح فرصا مستقبلية لبناء شراكات متكاملة وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية RVCs لخفض تكاليف النقل وتبادل المدخلات الصناعية على أساس تفضيلي بين تلك الدول والمجموعات من أجل نمو وازدهار أعضاء التعاون، دول جنوب شرق آسيا "الآسيان ASEAN" نموذج يمكن الاستشهاد به في جانب التعاون الاقتصادي الإقليمي، وهناك نماذج أخرى من الشراكات على نطاق جغرافي واسع، مثل منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي APEC أي: الدول الواقعة على المحيط الهادي.
أخيرا: مهما كان شكل نموذج التعاون إلا أن الانخراط في تعاون اقتصادي على أساس إقليمي يزيد من القوة التفاوضية والأمن والسلم في أوقات نشوب أزمات الكبار ويعد صمام أمان وجودي، ولا سيما في الغذاء والدواء والطاقة، إضافة إلى أنه يساعد على تماسك سعر صرف العملات للدول الفقيرة والنامية، ويوفر حلولا بديلة للنقد الأجنبي في الأزمات.