قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

شكّل الوثائقي الذي بثّته القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، مساء الخميس الماضي عن المساعي التي بذلها الرئيس ايمانويل ماكرون للحيلولة دون غزو روسيا لأوكرانيا، حدثاً فريداً من نوعه، إذ إنّ الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه برئاسة ايمانويل بون سمحت لكاميرا غي لاغاش أن تسجّل الاتصالات السريّة التي كان يجريها ماكرون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة دول الإتّحاد الأوروبي وهي تواكبه في كواليس تنقلاته الى موسكو وكييف وبروكسل وغيرها.
"رئيس، أوروبا والحرب"، وهو العنوان الذي أُعطي لهذا الوثائقي الفرنسي، تمكّن من تكوين صورة كاملة عن حقائق راسخة واكبت صناعة الحرب الروسية على أوكرانيا التي قلبت المعطيات الجيو-سياسية ليس في أوروبا فحسب بل في العالم أيضاً الذي دخل في "عصر التنافس الإستراتيجي"، بكل ما يحمله من صعوبات وتحدّيات ومنافسات ومخاطر.

بيّن هذا الوثائقي أموراً كثيرة كان أهمّها إظهار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّه قائد كذّاب!

وصِفة "كذّاب" لم يُطلقها السفير إيمانويل بون الذي يواكب الاتصالات التي يجريها ايمانويل ماكرون مع نظرائه الدوليين، على فلاديمير بوتين، إلّا بعدما بيّنت ذلك مقاطع من مخابرة هاتفية جرت في العشرين من شباط/فبراير الأخير، أي قبل أربعة أيّام من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، بين الرئيس الفرنسي و"صديقه" الرئيس الروسي.

في هذا المقطع من المخابرة الهاتفية، طلب ماكرون من بوتين أن يوافق على عقد لقاء مع الرئيس الأميركي جو بايدن، في جنيف، حيث يستمع الى عرض منه بخصوص أوكرانيا والشكاوى الروسية من توسّع "حلف شمال الأطلسي" في شرق أوروبا.

وقد وافق بوتين على "مبدأ" اللقاء، وطلب أن يتولّى فريقه وفريق ماكرون صياغة بيان مشترك عن ذلك، مؤكّداً أنّه سوف يطلب من مستشاريه الاهتمام بالموضوع، "على الرغم من أنّني الآن في صالة الرياضة، حيث أقوم بتماريني الرياضية، قبل أن أتوجّه الى لعب الهوكي على الثلج".

وبعد الإتصال الهاتفي تواصل إيمانويل بون مع نظيره الروسي يوري أوشاكوف، ليعود فيظهر على الكاميرا، وهو يُبلغ معاونيه:" مشكلتنا مع بوتين أنّه كَذّاب!".
وشرح:" لقد أعطى بوتين تعليمات لأوشاكوف بأن لا يُثير نهائياً موضوع اللقاء المحتمل مع بايدن. إن الكذب هو جزء من لعبة بوتين".

إنّ المعطيات التي أظهرها "رئيس، أوروبا والحرب" تُثبت أنّ فلاديمير بوتين لم يكن يريد أيّ عرض من شأنه أن يحول دون غزوه لأوكرانيا، حتى لو تقاطع مع شروطه واستجاب لشكاويه.

في مكان ما، لم يكن هو نفسه فقط مقتنعاً بأنْ لا قدرة لأوكرانيا على التصدّي له ومقاومته والصمود في وجهه، بل كان القادة الدوليون الذين يقيّمون قوّة روسيا ويتواصلون معه مقتنعين بذلك، أيضاً.

وإذا كان بايدن قد عرض على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مع بدء الغزو الروسي، أن يُخرجه من كييف، فإنّ ماكرون، وعندما اطّلع من نظيره الأوكراني، على تفاصيل بدء الغزو، سارع الى الإقتراح عليه بأن يلجأ الى السفارة الفرنسية في كييف.

ولكن زيلينسكي الذي رفض عرض بايدن، لم يُعلّق على اقتراح ماكرون بل أثار موضوع إرسال الأسلحة والذخائر الى "شعبي الحيّ والشجاع والمقاوم"، فوعده الرئيس الفرنسي بحصول ذلك في اليوم التالي.

ولقد كان واضحاً أنّ التقييم الغربي لزيلينسكي تطوّر مع الأيّام، فبعدما جرى التعامل معه، وهو الآتي الى السلطة من "عالم الكوميديا"، على أساس أنّ براثن "الدب الروسي" سوف تمزّقه تمزيقاً، أصبح التعامل معه على أساس أنّه "قائد صلب" ويُمكنه، في حال توفير ما يحتاج إليه من دعم، أن يقلّم هذه البراثن.
ولم تحصل أوكرانيا على شيء ممّا عادت وحصلت عليه، لولا صمودها، فهي بعدما كانت نقطة ضعف للاتحاد الأوروبي و"حلف شمال الأطلسي" أصبحت نقطة قوّة، وتالياً نجحت كييف بصمودها في إصلاح الشوائب "القاتلة" التي كان يعاني منها "الاتّحاد الأوروبي" المتفسّخ و"حلف شمال الأطلسي" الميّت دماغياً!

والأسرار التي تكشّفت للجميع عن شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "الكذّاب" الذي لا يحترم اتفاقاً وقّع عليه، ولا يعني له احترام القانون الدولي شيئاً، دفعت دولة مثل ألمانيا إلى اتّخاذ قرار ببناء واحد من أقوى الجيوش الأوروبية، وشجّعت دولاً متردّدة على رفع ميزانيّاتها الدفاعيّة، وجعلت دولاً طالما حافظت على حيادها، مثل السويد وفنلندا، تسارع إلى طلب الإنضمام الى "حلف شمال الأطلسي" لأنّها، في حال ثابر بوتين على نهج خوض الحروب، ستكون لقمة سائغة في فمه، إذا لم تنعم ب"فضائل" المادة الخامسة من نظام "حلف شمال الأطلسي" الذي يوفّر حماية لأعضائه من أيّ عدوان قد تتعرّض له.

وما من أحد يُمكنه أن يعرف ماذا يُضمر فلاديمير بوتين، فهو، قبل أربعة أيّام من بدء غزو أوكرانيا، أوحى، كما بيّنت تسجيلات محادثته الهاتفية مع ماكرون، بأنّه سوف يسحب عدداً كبيراً من قواته المنتشرة على الحدود، وهو كان يزعم أنّ تمدّد "حلف شمال الأطلسي" نحو نقاط متقدّمة مع حدود بلاده، يجب إيجاد حلّ له، ولكنّه، عندما كاد يحصد نتائج من لقاء رتّبه ماكرون مع الرئيس الأميركي، رفض النقاش.

وحتى تاريخه، وعلى الرغم من الكلفة الغالية للحرب على بلاده وعلى العالم، فليس على لسان بوتين أيّ عرض لوقف هذه المجزرة المتمادية سوى استسلام أوكرانيا، وبالنسبة إليه، لا أحد يتحمّل مسؤولية إطالة أمد الحرب سوى الغرب الذي يزوّد أوكرانيا بالسلاح، وأوكرانيا التي تصرّ على المواجهة.
وقد كان لافتاً للإنتباه أنّ ردّ الكرملين على النتائج التاريخية لقمّة "حلف شمال الأطلسي" أتى على لسان الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إذ قال "يمكن للجانب الأوكراني إنهاء النزاع في غضون يوم واحد. يجب إصدار أوامر للوحدات القومية بإلقاء السلاح، ويجب إصدار أوامر للجنود الأوكرانيين بإلقاء أسلحتهم، ويجب تنفيذ كل الشروط التي وضعتها روسيا. حينها سينتهي كل شيء خلال يوم واحد".

في هذا الوقت، وفيما كان القصف الروسي يستهدف المدنيين، توقّف المراقبون عند حدث عسكري استراتيجي: إنسحاب الجيش الروسي من "جزيرة الثعبان".
انسحاب، ولو جرى تبريره روسياً بأبعاد إنسانية، إلّا أنّه هزيمة معركة في حرب مفتوحة قالت رئيسة الدبلوماسية الألمانية انالينا بيربوك، في تعقيب لها على أجواء قمة "حلف شمال الأطلسي" وقبلها قمة "مجموعة السبع": "نحن سنفعل كل ما في وسعنا حتى تظل أوكرانيا دولة ذات سيادة وحتى تتمكن البلاد برمتها من أن تعيش في سلام وحرية".

قادة الغرب في نظرتهم الى أوكرانيا لا يكذبون. قد يكونون يحلمون لكنّهم يعلنون ما يُضمرون. فلاديمير بوتين لم يوفّر أيّ سلاح في ترسانته من الإستعمال، والكذب أحدها!