تشهد الجزائر ابتداءً من اليوم الثلثاء احتفالات متنوعة في المدن والأرياف لمناسبة مرور 60 سنة على استقلال البلاد بعد كفاح سياسي ودبلوماسي، ومسلح وتضحيات جسام على مدى قرن وثلاثين سنة.

تمهيداً لهذه الاحتفالات وجه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون مسبقاً رسالة إلى الشعب الجزائري عبر افتتاحية مجلة "الجيش" أشاد فيها بتضحيات الشهداء وبالمقاومة الوطنية، وأكد أنه لا ينبغي أن "يغيب عن أذهاننا الوضع المزري الذي كانت عليه بلادنا غداة الاستقلال، على كل الأصعدة من دون استثناء، لا سيما في مجال التعليم حيث حرم منه السواد الأعظم وكانت نسبة الأميين في الجزائر 90 في المئة".

في خضم هذه الاحتفالات يتساءل الجزائريون في الجزائر العميقة عن الأسباب الحقيقية التي أدت بالبلاد إلى عدم فك الارتباط بالإرث الاستعماري منذ حكم الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين ومروراً بمراحل الشاذلي بن جديد واليامين زروال وصولاً إلى مرحلة عبدالعزيز بوتفليقة حيث كانت النتيجة تعطيل إنجاز أي من ملامح النهضة العصرية على أنقاض ذلك الإرث الثقيل على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والسياسية.

إلى جانب ما تقدم، فإن المواطنين الجزائريين يفصحون باستمرار، وبكثير من الحسرة، عن الصعوبات التي يجدونها أمامهم حينما يحاولون مقارنة واقع الجزائر المتخلف نوعياً بما أنجزه من تقدم الكثير من الدول المستعمرة سابقاً والتي تزامن استقلالها معها، أو عند مقارنتهم بين الأوضاع الجزائرية التي بقيت تعيد إنتاج "ثقافة تسيير الأزمات" وبين الخطوات الحاسمة التي خطتها إلى الأمام دول أخرى أنشئت حديثاً، مثل النمور الاقتصادية في آسيا أو مثل تلك التي نالت الاستقلال بعد تحرر الجزائر بسنوات كثيرة، في مجالات حلَ مشكلات هوياتها الثقافية والتاريخية، وترقية منظوماتها التعليمية وتزويدها بمفاتيح العلم والتكنولوجيا والآليات التي تربي لدى الطلاب والطالبات العقل الإبداعي والنقدي البناء، وترشيد وتطوير اقتصاداتها، ونقل مجتمعاتها إلى فضاء الرفاه الاجتماعي.

وفي تقدير الملاحظين وخبراء التنمية، فإن الجزائر لم تتمكن حتى الآن من تحقيق تلك الوثبة النوعية المنشودة على أصعدة بناء أركان الدولة الحديثة ذات الخصوصية التي لا تكرر النماذج المستعارة من هنا وهناك حيناً وتلك التي تخرجها من ركام من التراث المحلي المتخلف حيناً آخر.

وإضافة إلى ذلك، فإن الحكومات التي تعاقبت في الجزائر على مدى أكثر من خمسة عقود ونيف لم يكن لديها منظور علمي مؤسس على الفكر المتطور القادر على بناء رافعات المجتمع السياسي والمجتمع المدني الحداثيين، وذلك لأسباب عدة، في مقدمها غياب ثقافة وتقاليد المجال العمومي في ظل الدولة الحديثة لدى المسؤولين الجزائريين التقليديين الذين حكموا البلاد ما أدى بهم إلى عدم ترك النظام الحاكم للمسافة بينه وبين نشاطات المجتمع المدني.

وزيادة على ذلك، فإن السلطات الجزائرية منذ الاستقلال إلى اليوم لم تفتح أمام المجتمع المدني فضاء الحريات الحقيقية ليقرر نفسه بنفسه ثم ينطلق في مسار صنع الثروة المادية والثقافية والفنية والروحية.

وفي الواقع، فإن كل المحاولات التي بذلت في عهد الحزب الواحد لتنظيم المجتمع المدني في الجزائر كانت من أجل الاستيلاء عليه وجعله تابعاً للنظام الحاكم، وبسبب ذلك تحولت المنظمات الجماهيرية، والاتحادات المهنية، والتنظيمات الثقافية والفنية إلى دكاكين لتسويق وتمرير وتبرير شعارات السلطة الحاكمة.

إن الذهنية السائدة لدى المسؤولين المنتشرين في مختلف الأجهزة تتميز بكونها مصفَحة داخل قوالب الأزمات التي أفرزت وبقيت تفرز المشكلات النمطية التي ما فتئت تتكرر في المشهد الجزائري منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، مثل البطالة وغلاء المعيشة، وعدم تناسب الدخل الفردي مع أسعار العقارات، الأمر الذي خلق في البلاد أزمة السكن الحادة.

عطفاً على ما تقدم يلاحظ المراقبون السياسيون ثعثر الجزائر وإخفاقها منذ الاستقلال حتى النهاية الدرامية المؤلمة لحكم بوتفليقة في بناء التصور الوطني التوافقي للدولة الحديثة. وقد لخص عدد من المفكرين الجزائريين قسمات هذا الإخفاق والتعثر في العجز عن بناء طور المجتمع العصري ليكون الخامة الطبيعية التي يتشكل منها طور بناء معمار الدولة الحداثية سياسياً وثقافياً وفكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً.

إلى جانب ذلك، فإن الشعار المرفوع على مدى أكثر من 40 سنة، والمتمثل في تنفيذ مشروع فكَ الارتباط ولو بأسوأ بقايا النموذج الاستعماري على كل المستويات، لم يتم إنجازه على الصعيد العملي لأسباب كثيرة، وفي مقدمها إبقاء الجزائر فريسة لاتفاقات لإيفيان التي كرّست التبعية لفرنسا ثقافياً ولغوياً ونموذجاً إدارياً، ومؤسسات اكتفت بتقليد أردأ المؤسسات الاستعمارية التي تركتها فرنسا خلفها بعد مغادرة جيشها للأراضي الجزائرية. وزيادة على ذلك، فإن معظم القيمين على رأس المؤسسات الجزائرية المتحكمة في الثروات الوطنية المادية والثقافية والرمزية، كانوا في الغالب من أتباع النموذج الكولونيالي.

إن المطلوب راهناً، وبعد سلسلة التجارب القاسية، ليس الاكتفاء بمجرد الاحتفال وإطلاق الزغاريد ورفع العلم وإنما فتح ملفات كل المراحل السابقة بكل شجاعة ونزاهة، وذلك بدءاً من مرحلتي بن بلة وبومدين إلى الشاذلي بن جديد التي انفجرت فيها العشرية الدموية، ومرحلة بوتفليقة التي دامت عشرين عاماً بلا طائل ما عدا وقف إراقة الدماء بين الأجنحة المتناحرة على السلطة.

والآن هناك سؤال يتردد على ألسنة المواطنين الجزائريين وهو: هل ستختلف مرحلة الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون عما كان سائداً على مدى أكثر من سبعة وخمسين سنة؟ وهل يمكن له التخلص والتفلت من التركة السلبية الثقيلة التي ورثها على كل المستويات، وما هو مشروعه؟