قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"بوريس جونسون قد يكون آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة"
جوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق
لنترك مؤقتا المشكلات المتوالية التي تواجه حكومة بوريس جونسون المحافظة. بعض هذه المشكلات لها صبغتها الدولية - على صعيدي الاقتصاد والحرب في أوكرانيا -، وبعضها الآخر متصل بالساحة الداخلية. عادت مسألة انفصال اسكتلندا عن بريطانيا إلى الساحة في وقت حرج لجونسون، الذي يقف في وجه موجة متصاعدة لإبعاده عن زعامة حزبه، وبالتالي عن رئاسة الوزراء، وفي ميدان سياسي يعاني أعلى مستويات الاضطراب منذ أن أجبر حزب المحافظين مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء السابقة على الاستقالة والخروج من الحياة السياسية المباشرة تماما، في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. منغصات اسكتلندا ليست جديدة بالطبع، لكنها تبقى حاضرة بدرجات متفاوتة على الساحة المحلية، ولا سيما في ظل متغيرات دراماتيكية حدثت في الأعوام الستة الماضية، كان من أسبابها الرئيسة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست".
تريد نيكولا ستيرجن، الوزيرة الأولى في الإقليم الاسكتلندي إجراء استفتاء شعبي عام على استقلال الإقليم عن منظومة المملكة المتحدة، بعد ثمانية أعوام على استفتاء مشابه رفض فيه الاسكتلنديون هذا الاستقلال بنسبة بلغت آنذاك 55 في المائة. وبصرف النظر عن تواضع النسبة إلا أن الأمر تم حسمه، على الأقل لـ 20 عاما أخرى، كما يحلو للبعض القول. الرافضون لهذه الفكرة أساسا يعتقدون أنها "لا تجوز" ديمقراطيا في فترات قصيرة، لا بد أن يأتي جيل جديد واحد على الأقل، لإجراء مثل هذا الاستفتاء حول المسألة نفسها. ورغم الخلاف حول المساحة الزمنية بين جيل وآخر، إلا أنه يحدد عالميا بعقدين من الزمن، علما بأن القفزات النوعية السريعة في التطور البشري لا بد أن تفرض مراجعة بهذا الخصوص.
السؤال الأهم هنا يبقى على الشكل التالي: إذا تغير المشهد العام، ألا يعد ذلك مبررا لاستكشاف مواقف الناخبين التي تكون قد تغيرت في استفتاء جديد؟ والتغير المشار إليه كبير بالفعل أتى عبر "بريكست" الذي صوت أغلب البريطانيين لمصلحته في استفتاء 2016 بفارق بسيط 3.8 في المائة. لكن مهلا، صوت الاسكتلنديون بأغلبية 62 في المائة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وهي نسبة كبيرة للغاية. وهذه النقطة بالتحديد التي يركز عليها سياسيو اسكتلندا الانفصاليون، ليؤكدوا أن المشهد تغير. فعندما رفضت اسكتلندا الخروج من المملكة المتحدة عام 2014، كانت بريطانيا عضوا أصيلا في الاتحاد الأوروبي. يعني هذا لو كان الاسكتلنديون يعرفون في ذلك العام المسار الذي ستمضي المملكة المتحدة فيه لربما صوتوا مؤيدين الانفصال عنها.
مع ذلك، فمسألة طرح استفتاء جديد لانفصال اسكتلندا عن التاج البريطاني ليست سهلة. الأمر يتطلب وقتا وتحركات لا تتوقف وضغوطا متواصلة ومبررات لا تغيب عن الساحة، خصوصا في وجود حكومة يعتقد بعض أركانها أن مجرد الحديث عن مثل هذا الانفصال شيء من الخيانة. لكن تستطيع ستيرجن، الوزيرة الأولى أن تقوم بعمل التفافي، يدعم توجهها بشأن استفتاء جديد، وهو أن تخوض الانتخابات العامة المقبلة في الساحة البريطانية ببرنامج واحد فقط هو الانفصال عن المملكة المتحدة، وفي حال حققت المقاعد الكافية في البرلمان، كما حدث في الانتخابات السابقة في 2019، يمكنها أن تقاتل بقوة من أجل انفصال يضمن لها في النهاية عضوية تسعى لها في الاتحاد الأوروبي. فالاسكتلنديون في أغلبهم يعتقدون أن مصيرهم أوروبي وسيبقى كذلك، بصرف النظر عما جلبه "بريكست" من سلبيات، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
الحملة الرسمية لانفصال أدنبره عن لندن بدأت بالفعل، لكن تبقى في حدودها "الصوتية"، أكثر منها العملية في الوقت الراهن. وربما تتلقى هذه الحملة دعما في المستقبل، خصوصا مع اقتراحات مثيرة جدا تقدم بها ألستر جاك، وزير شؤون اسكتلندا في الحكومة البريطانية، بأن تسمح الحكومة بإجراء استفتاء ثان للاستقلال إذا أظهرت استطلاعات الرأي أن ستة من أصل كل عشرة اسكتلنديين يؤيدون تنظيمه. ولا يمكن لوزير بريطاني تقديم مثل هذه الاقتراحات إذا لم يكن لديه الإذن بطرحها من رئيس الوزراء مباشرة. فالجميع يتذكر كيف أن 62 في المائة من سكان اسكتلندا أيدوا البقاء في الاتحاد الأوروبي، وهي نسبة يمكن إسقاطها بصورة أو أخرى على حالة استقلال الإقليم عن المملكة المتحدة.
المؤكد أن حكومة بوريس جونسون أو غيرها في المستقبل، لا يمكنها أن تواصل رفض فكرة هذا الاستفتاء إلى ما لا نهاية. فمتغيرات المشهد العام في البلاد فرضت بالفعل معاييرها على الساحة واتفاق "بريكست" بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لا يعمل كما يجب، ولا يزال معرضا للانهيار بسبب المعضلة الأيرلندية التي تبدو بلا نهاية، ما يعزز حجة الانفصاليين الاسكتلنديين بأن أوضاع الإقليم ستكون أفضل ضمن الكتلة الأوروبية، أكثر من البقاء تحت التاج البريطاني. ومقاومة الحكومة ستضعف مع الوقت. فمن المستحيل أن تقف ضد استفتاء يرغب في إجرائه 60 في المائة من الاسكتلنديين، خصوصا إذا ما استطاعت ستيرجن الوزيرة الأولى أن تعزز التوجهات الشعبية بهذا الخصوص في الفترة المقبلة.