العالم الذي أدخل الرئيس فلاديمير بوتين روسيا به، غامض كليا. روسيا لن تجوع بكل تأكيد. كما أن اقتصادها لن ينهار بالضرورة. فعائدات النفط والغاز ستظل كافية لضمان نوع من الاستقرار الاقتصادي.

التوجه شرقا ليس محفوفا بالكثير من المخاطر، إلا أنه أرض رخوة من ناحيتين على الأقل: الأولى، أن روسيا تأتي إلى هذا العالم من واقع عزلة، ما يملي عليها أن تقدم تنازلات، ولا تفرض إلا القليل من المطالب، بما في ذلك تقديم عروض أسعار مغرية للنفط والغاز. والثانية، هي أن تنمية روابط سياسية واستراتيجية جديدة تظل أمرا مكلفا، وغير مضمون النتائج بالنظر إلى أن هذا التمرين لن يخلو من منافسة شرسة.

الصين، على أي حال، سوف تظل حليفا موثوقا. إلا أنها حليف متحفظ أيضا، ولا يزمع أن يخوض مواجهات بالوكالة عن روسيا، فمصالحها مع الغرب أكبر بكثير من مصالحها مع روسيا.

في العام الماضي صدّرت الصين إلى الولايات المتحدة وحدها بضائع بقيمة 576 مليار دولار، وحققت فائضا تجاريا قياسيا يبلغ 335 مليار دولار، بينما صدرت الصين إلى روسيا بضائع بقيمة 65 مليار دولار، واستوردت منها بضائع (معظمها نفط وغاز) بقيمة 80 مليار دولار، لتحقق عجزا تجاريا يبلغ نحو 15 مليار دولار لصالح روسيا. حقائق العلاقات التجارية الصينية مع دول الغرب الأخرى تؤكد الشيء نفسه، وهو أن مصالح الصين التجارية مع العالم الغربي أكبر وأهم من مصالحها مع روسيا. ورغم أن للبلدين ما يجعلهما حليفين سياسيين، إلا أن علاقاتهما الاقتصادية ليست بالمتانة التي تسمح بقبول التضحيات الجسيمة.

الحرب يمكن أن تتوقف بهدنة. كما يمكن أن تستمر كحرب استنزاف. ولكن ما لن يتوقف أبدا هو أن روسيا التي أصبحت "عدوا" في استراتيجية الأطلسي الجديدة لن تكسب لا حرب الاستنزاف، ولا حرب الدعاية

قيام الحلف الأطلسي بوضع الصين، في استراتيجيته الجديدة، في موضع “التحدي” يعني أن بكين سوف تواجه الكثير من المضايقات وقد تنتهي بدفع ثمن باهظ وبارد إذا ما بقيت تُعامل الحرب في أوكرانيا على نحو يبدو وكأنه دعم لروسيا.

التوجه شرقا، بالنسبة إلى روسيا، له نهاية واضحة، تعتمد من الناحية الاقتصادية على صادرات النفط والغاز. وتعتمد من الناحية السياسية على حياد الدول الأخرى، وليس تضامنها أو دعمها المكشوف للحرب الروسية في أوكرانيا. وعند هذه النهاية، فإن روسيا لن تحقق الكثير من المنافع. سوف تواصل العيش، ولكن من دون أن تكون لديها فرص واسعة للنمو.

العلاقات مع الدول النامية، أو متوسطة الدخل، تتطلب استثمارات أكثر مما تنتظر عائدات. وروسيا أقل قدرة من الصين على ولوج هذا الطريق من أجل تحقيق النمو أو التوسع الاقتصادي.

المثال واضح في إيران، بل وحتى أفغانستان وباكستان وإندونيسيا. فهذه بلدان تطلب أكثر مما يمكنها أن تقدم، وكذلك الحال في بعض الدول الأفريقية التي مدت موسكو الأشرعة إليها مؤخرا.

كل ما هو حيوي وواعد في غرب القارة الأفريقية وجنوب آسيا، يرتبط بالغرب القادر على تقديم الاستثمارات، أكثر مما يرتبط مع موسكو. وبينما تسارع الدول الأوروبية إلى استكشاف مصادر جديدة للطاقة في أفريقيا، فقد تخلفت روسيا عن هذا السباق، ولم تستثمر مكانتها كمنتج رئيسي للطاقة لأجل احتلال موطئ قدم خارج أراضيها، أو حتى أن تتحرر هي نفسها من الحاجة إلى الاستثمارات الغربية لاستغلال حقولها النفطية الخاصة.

الانكفاء السياسي إلى الداخل سوف يكون هو المعادل الوحيد للعزلة في الخارج.

روسيا اليوم ليست روسيا ليونيد بريجينيف الذي حكم البلاد بين عامي 1964 و1982. هذه الفترة كانت هي الفترة الذهبية في عمر الاتحاد السوفياتي، قبل أن تظهر التصدعات والشروخ في جدران الاقتصاد والسياسات الحزبية، وذلك منذ تولي يوري أندروبوف السلطة لسنتين بين 1982 و1984، ثم تولي قسطنطين تشيرنينكو السلطة لعام واحد (توفي في مارس 1985)، قبل أن يأتي ميخائيل غورباتشوف الذي قاد الاتحاد السوفياتي إلى الانهيار في العام 1991.

الرئيس بوتين لا يملك شيئا من مؤهلات ذلك “العهد الذهبي” (بمعايير “الرفاق” والأقارب). فروسيا بريجينيف كانت قوة دولية صاحبة نموذج اقتصادي اشتراكي، ومشروع أيديولوجي عالمي، ودور تحرري بالنسبة إلى كل ما كان يعرف بالعالم الثالث، أو عالم حركات التحرر الوطنية، أو عالم حركة عدم الانحياز.

بوتين لا يملك شيئا من هذا. ذلك العالم نفسه لم يعد موجودا من الأساس. نموذج بوتين الاقتصادي رأسمالي عامر بمقومات الفساد، وتهيمن عليه أوليغارشيا تتنعم بالثراء الفاحش، ولا علاقة لها بالصناعة أو تطوير الموارد، أو بناء التكنولوجيات الحديثة. وأيديولوجيته مزيج من تهاويم غامضة تستحضر أرواحا إمبراطورية وعنصرية ثقافية وأوهام عظمة. ولا يحلم مستحضروها هم أنفسهم أن تكون مشروعا عالميا.

روسيا التي جربت كل شيء، يسوقها قدرها الآن إلى أن تعود لتجرب الكثير من الشيء نفسه، خلف ستار حديدي جديد. ولكنها لن تموت. سوى أن نهايتها السعيدة ليست كنهاية بوتين

الانكفاء لأجل استحضار الأرواح لن يقدم لبوتين أكثر من النموذج الستاليني القائم على الخوف والتسلط. وهو نموذج يصعب أن ينحدر إليه الروس طويلا بعد أن جربوا سلسلة من الانقلابات أطاحت بسلطة الحزب الشيوعي، وأبرزت عليه متمردا مثل بوريس يلتسين الذي حكم بين عامي 1991 و1999. الروس لن يواجهوا بوتين في البداية. إلا أنهم لن يقبلوا بالخوف كسبيل دائم من سبل الحياة.

أجهزة بوتين الإعلامية ترهن الكثير من قدراتها على تزييف الحقائق وإعادة صياغتها، لتضفي عليها طابعا مخالفا لطبيعتها الحقيقية. إلا أن هذا الرهان لا يبدو ناجحا، أو لن يمكنه أن يظل ناجحا، ليس لأن وسائل المعرفة لا يمكن إسدال ستار حديدي عليها فحسب، بل لأن الحرب في أوكرانيا ليست، بالنسبة إلى الروس والأوروبيين، كأي حرب أخرى أيضا.

انطباعات “المركزية الأوروبية” حتى وإن كانت مجرد انطباعات مبالغ فيها، إلا أنها ليست فارغة، كما أنها ليست من دون مبرر ثقافي أو سياسي أو اقتصادي. وهو ما يعني أن صناعة التزييف التي تمارسها أجهزة بوتين سرعان ما سوف تنقلب وبالا عليه. على الأقل، لأنها تُفرط بالنكران والتزييف إلى درجة تجعله مثيرا للاشمئزاز. خذ على سبيل المثال المراكز المدنية التي يتم هدمها بقصف الطائرات الروسية، فتقول أجهزة موسكو إنها تعرضت للهدم بسبب مضادات صواريخ أوكرانية. أكاذيب صفيقة من هذا النوع هي التي سمحت بإعادة تسمية حرب أدت إلى قتل عشرات الآلاف وتهجير نحو 12 مليون إنسان بأنها “عملية عسكرية خاصة” وليست حربا.

سوف يأتي اليوم الذي يسأل الروس رئيسهم: وكيف تكون الحرب، ما لم تكن هذه الحرب حربا؟

كل هذا في كفة، والنزاع الدامي نفسه في أوكرانيا في كفة أخرى.

الحرب يمكن أن تتوقف بهدنة. كما يمكن أن تستمر كحرب استنزاف. ولكن ما لن يتوقف أبدا هو أن روسيا التي أصبحت “عدوا” في استراتيجية الأطلسي الجديدة لن تكسب لا حرب الاستنزاف، ولا حرب الدعاية، ولن يحصنها الستار الحديدي الذي يمكن أن تسدله على نفسها، من أن تُعامل كطرف دولي منبوذ.

سوف يكون الرئيس بوتين سعيدا لو أنه حصل على نهاية كنهاية ستالين. أي أن يموت وحيدا في فراشه، من دون أن يحاكمه أحد. بعد الموت، ستكون هناك حكاية أخرى.

الكثير مما تمت قراءته عن فظائع العهد الستاليني سوف تعاد قراءته من جديد: “جناح السرطان” لألكسندر سولجينتسين، عن الذين قضوا في حملة “التطهير العظيم” التي شنها ستالين بين عامي 1936 – 1938 وراح ضحيتها الملايين. و”دماء الآخرين” لروري فينين عن فظائع التهجير الستالينية في القرم، و”المجاعة الحمراء: حرب ستالين على أوكرانيا” لآن أبلباوم، عن قطعان ستالين التي كانت تجوب القرى الأوكرانية لسرقة ما تجمعه من حصاد الحبوب، حتى مات بسببها أربعة ملايين إنسان بالجوع. إنها بعضُ أمثلة مما يجمعه بوتين الآن في كتاب واحد تحت عنوان “عملية عسكرية خاصة”.

روسيا التي جربت كل شيء، يسوقها قدرها الآن إلى أن تعود لتجرب الكثير من الشيء نفسه، خلف ستار حديدي جديد. ولكنها لن تموت. سوى أن نهايتها السعيدة ليست كنهاية بوتين.