يبدو أنك كلما تقدمت في العمر انحزت أكثر إلى ذائقتك، ليس لأنك لا تريد تجربة أشياء جديدة، لكن بعض الأشياء الجديدة تجعلك تعود إلى أشياء رسخت في ذاكرتك، وإلا بماذا تفسر قراءتك لرواية مرة ثانية أو ثالثة، مشاهدتك لفيلم أكثر من مرة، رغم أنك تعرف تسلسل الأحداث والنهاية، ربما أنت تواصل البحث عن أسباب إضافية وجديدة تفسر انحيازك الأساس، ويحدث أحيانا أن تجدها.
القراءة تختلف عن المشاهدة بالطبع، هناك دائما كتب جديدة لم تقرأها، لكنك تختار طائعا العودة إلى كتاب ما، وتكتشف أن إعادة القراءة تعيد صياغة العمل الإبداعي في ذاكرتك، العمل لم يتغير، أنت تغيرت، في الأغلب للأفضل إذا كنت قارئا مواظبا، تتغير قناعاتك، وبالتالي انفعالاتك مع الإسقاطات الفكرية أو التاريخية أو حتى العاطفية.

على طريقة "يكون النهر قد تغير أو أنت نفسك قد تغيرت" يمكن فهم وتفسير إعادة القراءة والمشاهدة أحيانا، وهذه الثانية المتعلقة بالأعمال السينمائية ربما تكون اضطرارية أحيانا، فلا شيء جيد يعرض إذا كنت ممسكا بجهاز التحكم عن بعد، أو لا شيء جديد أو مثير للاهتمام نزل في التطبيق الذي تستخدم، وهذا ليس وقت أو مزاج الخروج للسينما، فيذهب عقلك الباطن، أو لعلها ذائقتك الباطنية هنا، إلى ما تحب وتستمتع به من القديم.

كان بعضنا قد قرأ عناوين معينة أو لأسماء معينة، لأنها كانت في فترة زمنية ونفسية ما علامة الانتماء إلى طريقة تفكير وعيش معينة، أو كانت من متلازمات التصنيف الثقافي، أو غيرها مما مر بكثيرين في شبابهم، سواء كان استقطابهم لهؤلاء أو أولئك، وبعد عقدين أو ثلاثة من الزمن لا يعود الإنسان بحاجة إلى قراءة ما يجعله منتميا، إنه يريد ان يقرأ ما يريد، ما يجعله مستقلا، مستمتعا، أو حتى راضيا عن مستويات ذائقته.

الانحياز لذائقتك سلوك إنساني طبيعي، وأحسب أنه ينضج مع الزمن، هل تذكر كم مرة أعدت مشاهدة فيلم لأنك رشحته لصديق أو أصدقاء، تشاهد معهم، وتنتظر تلك اللقطة أو الكلمة التي فتنتك لتطلب منهم الانتباه أو التركيز، مع الوقت ومرور الأعوام، لا تعود تفعل ذلك، يصبح جزء من الانحياز إلى ذائقتك والثقة فيها أن تحتفظ بملامحها، وتدع ذائقة أخرى تكتشف ما اكتشفت، أو ربما تكشف لك شيئا مما لم تلتقطه أنت.

وأخيرا هناك سبب خارج عن الإرادة، إنه الحنين، لزمن أو مكان أو إنسان، يجعلك تعيد القراءة أو المشاهدة بحثا عن ذاك الإحساس.