قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لرجل خمسيني مثلي، كانت عبارة دارجة مثل «الله على أيام الزمن الجميل» تطربني وتثير في داخلي الحنين لزمان مضى.

لكن وفي حوار بدايات هذا الصيف جرى بيني وبين صديقي القانوني الأردني الدكتور نوفان العجارمة في شوارع مدينة باريس، اكتشفت بعده أننا نظلم زماننا الأكثر جمالاً بقولنا هذا.
التقدم التكنولوجي الذي يشكو منه جيلي وهو يناكف الجيل الأصغر، قدم لنا تسهيلات في الحياة لم نكن لنتصورها في أقصى أحلامنا أيام زمان الذي نتوهم أنه أكثر جمالاً، وفي ذلك الزمان الذي كان الهاتف فيه مربوطاً بسلك تمر به «الحرارة» كما كنا نسميها، وكان اختراع «الفاكس» حالة مدهشة تسبب لنا الحيرة بتفوقها على ما يمكن تصوره لنجد أنفسنا اليوم نحمل فيه ساعة يد نتحدث فيها ببث حي ومباشر بالصوت النقي والصورة الملونة. وفي زماننا ذلك ما كنا لنتصور أن كل مشاويرنا الطويلة أو القصيرة يمكن اختصارها بكبسات أزرار إلكترونية تقضي لنا الحاجات التي نريدها.

كنا إذا أردنا أغنية معينة لمطرب محدد، نضطر لشراء ألبومه الكامل على شريط تسجيل كاسيت، وغالباً لا يدرك هذا الجيل العلاقة بين القلم «رصاص أو حبر» وشريط الكاسيت أو تلك العلاقة الملتبسة بين الكاسيت نفسه وأي لاصق متوفر في حال انقطاع بكرة الشريط وعملية إعادة لصقها، اليوم ببساطة تطلب أغنيتك (أيا كانت) بسهولة وبثوانٍ من خلال أي جهاز بحجم راحة اليد تحمله في يدك، بل إنك ستجد كل أعمال الفن في ذلك الزمن الذي نراه جميلاً قد تمت أرشفته رقمياً، وقد تجد نسخاً نادرة من ذلك الزمن لم تكن تعرف عن وجودها أصلاً آنذاك.

في ذلك الزمن الذي نتوهمه جميلاً جداً، كنا نعتقد أن التلفزيون الملون «ببثه المؤقت من منتصف النهار حتى منتصف الليل» ثورة معلوماتية انتهت عنده كل الثورات المعرفية، لننتهي اليوم بانحسار محطات التلفزيون وقد تفجر على صيغة فضائيات لا يتوقف إرسالها، لصالح منصات رقمية تقدم لك المنتج الترفيهي وحسب الطلب.

في ذلك الزمن الذي كنا نعتقد أن الكتاب ذا الغلاف السميك الملون فاخر الطباعة يعتبر ميزة للتفاخر في المكتبة، لننتهي اليوم بكتب إلكترونية، ومن المفارقة أن تقرأ أمهات الكتب القديمة مثل تاريخ الطبري مثلاً على شاشة تقلب صفحاتها المضيئة بطرف إصبعك.

كان المحظوظون في ذلك الزمان من يستطيعون السفر لسعة في قدرة مالية، ويتوجهون إلى مكاتب السفريات لحجز تذكرة، وكان موظف الحجز شخصية تقدمية في خيالنا لأنه يعرف العواصم وأسماء المطارات وهو يطبع التذكرة بنسخة كربونية منسوخة بخط اليد غير مقروءة مثل وصفات الأطباء للصيادلة، واليوم بإمكانك أن تحجز كل رحلاتك لسنة كاملة وبتواريخ محددة خلال عشر دقائق، وتستطيع أن تقارن بين الأسعار والمطارات، بل وحتى مقعدك المفضل في الطائرة ووجبتك التي تريد.

نعم، كان زماناً جميلاً لأنه يعيش في ذاكرتنا مرتبطاً بلحظات شخصية وخاصة، لكن ما نعيشه اليوم ربما يكون الأجمل لأنه أقل مشقة وأكثر سهولة.