قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يمكن لدولة تحقيق جميع مصالحها السياسية والاقتصادية دفعة واحدة، فالدولة مرتبطة بشكل أساسي بتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي الداخلي، وفي الوقت ذاته، مرتبطة بمنظومة معقدة من العلاقات الخارجية تبدأ بالدول المجاورة ثم الإقليم، ثم ذات القومية الواحدة، ثم العالم، إضافة إلى شبكتها الخاصة المؤلفة من دول صديقة وشريكة وحليفة وأخرى تناصبها العداء التاريخي، الذي يطرأ ضمن المتغيرات السياسية.
أصعب ما تواجهه الدول عموماً هو الاستقرار السياسي والاقتصادي الداخلي، ويبذل الساسة المحترفون جهوداً عظمى لحماية بنيان الدولة الداخلي، سواء بوضع وتنفيذ السياسات التشريعية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة، التي تتناسب مع الحاجات والمتطلبات الإنسانية في الدولة، والتي يجب أن تتناسب مع حجم موارد الدولة وإمكانياتها الطبيعية والاقتصادية، وكذلك وضع وتنفيذ السياسات الأمنية والثقافية والصحية والتعليمية وغيرها، والتي تضمن الأمن والرفاهية، وتضمن أيضاً إمكانيات النمو والتطور، فتصبح التحديات أمام ذلك كله، متطلباً ضخماً في ظل وجود تهديدات داخلية، في بعض الأحيان، كالجماعات الإرهابية أو المشكلات الإثنية والطائفية، أو الضغوطات السكانية كاندفاع اللاجئين إلى حدود الدولة.
في الغالب، يمكن للساسة المحترفين السيطرة على الأوضاع الداخلية، وتشجيع طرفي المعادلة، الحكومة والشعب، على المضي نحو الاستقرار بالمراقبة وتحديث السياسات أولاً بأول، ولكن في المقابل، تواجه الدولة غالباً صعوبة في استقرار علاقاتها الخارجية، فالدولة ليست وحدها من يقرر طبيعة تلك العلاقات، بل هي مرتبطة بطرف آخر أو أكثر، وهذا الطرف لديه مصالح أخرى، بعضها يتعارض مع مصالح الدولة نفسها، وقد رأينا مؤخراً كيف دعم الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة تجاه العقوبات على روسيا، لكنهم توقفوا ومارسوا الصمت المخيف تجاه التصعيد مع الصين، حول موضوع تايوان، حيث لا يمكن لأوروبا أن تتحمل قطيعة أخرى مع الصين.
لا يبدو أن الولايات المتحدة قادرة على إحراز التوازن الداخلي والخارجي دفعة واحدة، ومع أن الإدارة الأميركية تبذل جهوداً كبرى لمواجهة التحديات الداخلية وعلى رأسها الانكماش والتضخم ومشكلة الوظائف وتباطؤ الاقتصاد، وتحاول إرضاء الشعب الأميركي بأي ثمن، إلا أنها وقعت في تضارب مصالح خارجية عملاقة مع كل من روسيا والصين، عدا عن مشكلاتها المزمنة مع تركيا وإيران وكوريا الشمالية.
ومع تزايد التهديدات لتحرك الصين باتجاه تايوان، فإن الولايات المتحدة لن تتمكن من إيجاد دعم أوروبي يمهد لها حرباً بالوكالة، كما حدث في أوكرانيا، بل سيصبح لزاماً عليها، وحسب التعهدات الأميركية القائمة، بالتدخل المباشر، والذي سيعني بلا شك، حرباً عالمية ثالثة.
الشيء الوحيد الذي يطمئن الولايات المتحدة، أن الصين ومع غضبها البالغ على التصرفات التايوانية، من وجهة نظرها، وعلى زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي لتايوان، ما زالت تحتفظ بالنضوج والوعي والحكمة التي قد تمنع نشوب تلك الحرب، والذي يجعل الولايات المتحدة متأكدة أن الصين ستجد حلاً دبلوماسياً في نهاية المطاف، ولن يتكرر ما حدث مع روسيا.
الأميركان، ومن دون دعم أوروبي، يعلمون أن الحكمة الصينية لمنع الحرب، ستكون مكلفة للغاية، سواء من ناحية سياسية أو اقتصادية، لذلك يتلكؤون ولا يبدون أية إشارة سياسية لاحتمال لقاء الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيره الصيني شي جين بينج خلال قمة زعماء مجموعة الـ 20 في جزيرة بالي الإندونيسية يومي 15 و16 نوفمبر، أو في العاصمة التايلاندية بانكوك خلال «منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ»، مع أن الصينيين ألمحوا إلى احتمالية ذلك، ولكن الأميركان ما زالوا مترددين، ويخشون أن يجدوا أنفسهم في مصيدة مخارج ومنافذ الحكمة الصينية، التي يصعب الخروج منها.
في التاريخ المعاصر، يشهد القاصي والداني، أن دولة الإمارات العربية المتحدة، وضمن رؤية وسياسة سيدي صاحب السمو رئيس الدولة، رعاه الله تعالى، تمكنت من تحقيق المصالح الداخلية جميعاً، بأعلى درجات الحب والنزاهة والشفافية، فحققت الأمن والاستقرار والنمو والتطور الداخلي، وفي الوقت ذاته، تصدرت دول العالم في حجم شبكة علاقاتها الخارجية التي تحقق مصالح دولة الإمارات العليا، بإقامة الشراكات والتحالفات والعلاقات الخارجية الدافئة المميزة، بنبذ ومكافحة العنف والتطرف والإرهاب وتطوير وازدهار العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإرساء السلام العادل، الذي تنشده الأجيال الحاضرة والقادمة.