قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في وقت اعتبر البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي أن الحياد يخفض عدد القضايا الخلافية بين اللبنانيين، يرى «حزب الله» أن المقاومة هي مقياس الوحدة بين اللبنانيين.

خلال الأيام الماضية وبالتزامن مع مبارزات عرض مواصفات الرئيس العتيد من قبل فرقاء رئيسيين، كرر قادة «حزب الله» في مقابل كافة الصفات التي أرادها السياديون لرئيس الجمهورية المقبل، التأكيد على خيارات الحزب في شأن المقاومة وسلاحها، وبالتالي حيال الوضع الإقليمي على أنها تشكل عنوان الفرز السياسي في البلد، لمناسبة الاستحقاق الرئاسي، ما يجعل اختيار الرئيس العتيد عرضة للتجاذب الخارجي مرة أخرى.

يختصر هذا الاختلاف ما يفرق اللبنانيين. فالمسألة لا تقتصر على انحيازهم الى خيارات خارجية بل تتعلق بالدول التي لها مصالح في ساحتهم أيضاً. وفي استحقاق مثل انتخابات رئاسة الجمهورية، يصعب ألا ينعكس ذلك على المعركة الرئاسية، لجهة موقف الدول من لبنان وأزمته الخانقة. فبعض القوى صاحبة الارتباطات الخارجية، آخر همها ما ستكون عليه الحلول للأزمة الاقتصادية المالية. وإذا كانت الدول الغربية والعربية الفاعلة في لبنان، والمعنية بمساعدته على تجاوز أزمته تتعاطى مع الاستحقاق الرئاسي بصفته محطة يمكن أن تنقل البلد إلى مرحلة جديدة تطلق الإصلاحات لأنها مناسبة لتغيير نهج الرئاسة الحالية المنحازة إلى المحور الإيراني، فإن هذا يعني أنها تتطلع إلى رئيس ترتسم من خلال هويته، صورة تحييد البلد عن الصراعات الإقليمية. فهذا هو الثمن المطلوب لأي مساعدة خارجية تنتشله من حال الإفلاس والانهيار والاهتراء التي أصابته.

مثل بعض الفرقاء اللبنانيين السياديين، تفضل هذه الدول تكويناً جديداً للسلطة في لبنان بدءاً بالرئاسة، ينهي مرحلة الاستتباع الكامل لإيران، فيما «حزب الله» يذكّر الجميع بأنه ليس جاهزاً للجديد المطلوب في السلطة، في وقت يستظل عنوان «المقاومة» لأجل أولوية تحالفه مع إيران.

تعاكس «المواصفات» التي يروج لها السياديون مواصفات «المقاومة» منذ تحولها إلى غطاء للدور الإقليمي للحزب. ومن مقتضيات هذا الدور الإمساك بالسلطة لضمان تشريع تمدد الحزب خارج البلد وتغطيته، من سوريا إلى اليمن والعراق والبحرين والسعودية وغيرها... ولأجل ذلك لا أهمية لضبط الحدود الشرقية إذا كان التهريب من وسائل المواجهة.

ثمة مستجدات تزيد تعقيد محاولة تحييد البلد عن الصراعات الخارجية، منها تداعيات الحرب في أوكرانيا التي قسمت العالم إلى جبهتين متقابلتين، تعكس التطاحن بينهما وليس فقط على الصراعات العسكرية والأمنية هنا وهناك، من ميادين الصراع في العالم.

في زمن الانقسام الدولي الحاد حول حرب أوكرانيا تتهيأ موسكو مثلاً للعب دور في اختيار هوية الرئيس الجديد، معتمدة على حلفاء مؤثرين، بدءاً بـ»حزب الله»، مروراً بالموالين لسوريا وبدمشق نفسها، وأخيراً وليس آخراً من خلال اتصالاتها مع إيران، هذا فضلاً عن صداقاتها مع بعض القوى السياسية الأخرى مثل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وصولاً إلى «التيار الوطني الحر» ورئيسه النائب جبران باسيل... وسيزور موفدون روس بيروت في هذا السياق وقد يكون الممثل الشخصي للرئيس الروسي في الشرق الأوسط، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف هو من سيقوم بهذه الزيارة.

الجانب الروسي ينوي مواجهة النفوذ الغربي في لبنان في سياق المعركة التي يخوضها على المستوى العالمي ضد التمدد الأميركي. وبالتالي يسعى إلى تطوير دوره في لبنان كحديقة خلفية لنفوذه في سوريا، ويتبع دبلوماسية هجومية ليبرهن للغرب وللولايات المتحدة وفرنسا أن توقع واشنطن عزله وإضعافه خاب لا سيما بعد جولة وزير خارجيته سيرغي لافروف في أفريقيا. ولم يعد خافياً بأن موسكو تحبذ تولي رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية المطمئن لدعم «حزب الله» للرئاسة، نظراً إلى علاقتها الإيجابية به، وإلى تمتعه بمساندة «حزب الله» ولو في شكل غير معلن حتى الآن.

لا يعني ذلك سوى أن الصراع حول الرئاسة في لبنان سيزداد حراجة وحدة. وعلى رغم تفهم المسؤولين الروس حاجة البلد إلى إجازة من إقحامه في الصراعات، فإن قرارهم هو عدم ترك الساحة للنفوذ الأميركي والفرنسي، بل ضمان حضورهم في لبنان...وهذا سيقحم واشنطن وباريس في المعركة الرئاسية اللبنانية أكثر في الأسابيع المقبلة، بحيث تختفي شعارات عدم التدخل في «شأن داخلي».

انتقال التنافس والصراع الأميركي الروسي إلى رئاسة الجمهورية في لبنان هل يفرض فرزاً داخلياً من نوع جديد، أم يؤدي إلى أزمة فراغ رئاسي مديد؟