آخر أخبار الروائي سلمان رشدي أنه في طريقه للتعافي وأن إيران تنفي صلتها بالمعتدي هادي مطر (24 عاماً)، من مواليد كاليفورنيا.. أي أن مصدر الفتوى كمنهج تخلخلت لديهم يقين الأمس، فالزمن الماضي الذي صدرت فيه الفتوى زمناً ماضوياً، وأصبحت الحنكة متقدمة على الانفعال.

ورواية (آيات شيطانية) انفجرت في أواخر الثمانينات لكي تكون مصدر إزعاج في العالم الإسلامي، واتفقت المذاهب الإسلامية على أن رشدي أحدث أمراً منكراً بتعديه على الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى زوجاته وأصحابه.. والرواية كُتبت على مستويين متخلين اعتراها شطط كبير، ومهما كانت حرية التفكير إلا أن رشدي جدّف تجديفاً واسعاً ضد حرية معتقدات المسلمين.. وإذا كان النقاد يمتدحون رشدي على الجمع بين الواقعية السحرية والخيال التاريخي مما يجعله كاتباً فريداً يمكن القول (نقدياً أيضاً) حينما تكتب في التاريخ يتعطل الخيال لأن الروائي داخل التاريخ محاصر بوقائع تاريخية يصبح التخيل فيه ناقضاً للبنية التاريخية ذاتها، بحيث يكون المتخيل والتاريخ في زاوية محاكمة، والمحاكمات أقرب حقل يمكن تناوله فيها هو المكاشفات أو الحجة ونقيضها، أما الرواية لا يمكن اعتبار تاريخها تاريخاً رسمياً (معترف به)، لأن به جزءاً كبيراً متخيلاً، الرواية يمكن أن تكون تاريخاً اجتماعياً وهو الأصوب حينما يعمل الروائي في فترة تاريخية هي (قماشة العمل) وهنا يكتب حالة اجتماعية وليست واقعة تاريخية..


ورواية آيات شيطانية كان بالإمكان عبورها من غير إحداث الضجة الكبيرة التي أدت بالخميني على إصدار فتوى بإهدار دم سلمان رشدي، وأكاد أجزم أن هذه الفتوى كانت نتيجة (سمع) وليست قراءة، قيل فيها للخميني أن رواية آيات (شيطانية) تطرق فيها الروائي إلى شخصك بصورة رمزية، فكانت الفتوى انتصاراً لشخص الخميني وليس انتصاراً للدين.

فجبريل فشيتا (أحد أهم الشخصيات في رواية آيات شيطانية) عرّج في مقاطع إلى الإشارة بظهور إمام دجال جاء بالخراب والدمار، وفكفك تلك الشخصية نفسياً وأثار ما أحدثه من زعزعة المنطقة بتصدير الثورة التي ستؤدي إلى خراب أممي كون دعوته قائمة على الدجل، وفي جانب آخر جاءت الفتوى لاكتساب مناصرة (السنّة) لدعوته في تصدير الثورة، فالرواية تسير في جزئية منها التحامل على أمهات المؤمنين وخاصة على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا الإطار يمجد عند البعض.

والمصادر التي استند عليها رشدي في رواية آيات شيطانية أنه عثر في قرأته لكتب السير والأحاديث إلى أكاذيب تمكنه من إقامة المتخيل، وتلك المرويات صدح بنكرانها الكثير من العلماء، ومع الوقت طالب بعض المسلمين التراجع عن روايتها، والتأكيد على أنها مكذوبة أو منحولة، فالرواية (في جزئية التحامل على أمهات المؤمنين) استند رشدي على مرويات مكذوبة حتى وإن ملأت الكتب وترديدها من قبل غير المطلعين، والآيات المرمزة أنها شيطانية اعتمد رشدي على قصة الغرانيق وهي رواية وردت في بعضِ كُتب التاريخ والتفسير، والقصة المبثوثة في كتب السير أن (النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس في مكة ويقرأ سورة النجم، فألقى الشيطان في أثناء قراءته كلماتٍ على لسانه فيها الثناء على آلهة المشركين وإثبات الشفاعة لها عند الله، وهذه الكلمات هي: (تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لَتُرتَجَى) وأن المشركين لما سمعوا ذلك فرحوا واطمأنوا وسجدوا مع النبي محمد لأنه أثنى على آلهتهم وذكرها بخير في صلاته).

الآن وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أقدم شاب (24 عاماً) على تنفيذ فتوى الخميني، فالزمن الطويل جعل القصة من قصص الماضي التي تلتها عشرات المحاولات من التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى زوجاته وأصحابة، وسوف يستمر هذا التطاول موازياً لما هو مبثوث في السير من غير ظهور مؤسسة دينية ضخمة تقوم بتنقية السيرة والأحاديث مما يجعل غير المسلم موقناً بصحتها، وهي سيرة مكذوبة، وعادة يكون الكذب مادة خصبة للروائي أو الرسام لكي يجنح في عالم المتخيل..

أنا ممن ينتظر مشروع الأمير محمد بن سلمان لتوثيق الأحاديث المثبتة، ذلك المشروع الذي أحلم بسرعة خروجه لواقع لكي يحمي رسولنا الكريم من أكاذيب كتب السير والتاريخ.