الطاقة شريان الاقتصاد، ومحرك التنمية، وقلب التطور النابض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال دورها التاريخي، وأهميتها حاضرا ومستقبلا، وارتباطها ارتباطا وثيقا بالمدنية والاستدامة. النمو الاقتصادي لأي دولة يرتبط ارتباطا وثيقا بصناعاتها المختلفة، ولنمو القطاع الصناعي واستدامته لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال الشريان الرئيس الذي يغذي هذا القطاع المهم، وهو شريان الطاقة.

لا أبالغ هنا عند القول إن اختلال منظومة الطاقة، وعدم استقرارها، وسلامة إمداداتها في أي بلد ما، ستؤثر سلبا في جميع الأنشطة الاقتصادية والنواحي الاجتماعية وغيرهما، لذلك نجد أن قضية أمن الطاقة العالمي ليست قضية عابرة، بل قضية وجودية - في اعتقادي - يجب التعامل معها بحكمة وموضوعية. بدأت شرارة الثورة الصناعية الأولى في بريطانيا باكتشاف الآلة البخارية في منتصف القرن الـ 18، ما أدى بطبيعة الحال إلى ازدهار صناعاتها، ومن أهمها في ذلك الوقت صناعة النسيج والصلب.
هذه الثورة الصناعية التي أسهمت في نمو اقتصاد بريطانيا وتطورها بصورة كبيرة، لم تتوقف عند حدود بريطانيا، بل كانت عابرة للحدود، فاستفادت منها دول أوروبا في القرن الـ 19، ومنها إلى أمريكا الشمالية. الجدير بالتنويه أن الفحم الحجري كان بمنزلة العمود الفقري لهذه الثورة الصناعية، التي اعتمدت عليه بصورة أساسية لتشغيل الآلات البخارية في مختلف الصناعات. بدأت ملامح الثورة الصناعية الثانية تطل بوجهها الحسن في أواخر القرن الـ 19، عندما اكتشف الباحث الأمريكي إديسون الكهرباء والمصباح الكهربائي نحو عام 1880. اكتشاف النفط وما صاحبه من طفرة هائلة في الصناعات الكيميائية المصاحبة له، كان تحولا تاريخيا والقاعدة الأساسية التي اعتمدت عليها الثورة الصناعية الثانية، فقد أصبح النفط المصدر الرئيس للطاقة بدلا من الفحم، الذي ما زال يستخدم حتى وقتنا الحاضر كمصدر من مصادر الطاقة! مع بداية القرن الـ 20، تم تحقيق إنجاز علمي جوهري يعد اختراقة في عالم المواصلات، الذي حفز الصناعات لسهولة نقل المنتجات حول العالم بسهولة أكثر وبسرعة أكبر، وهو اكتشاف المحرك الانفجاري الذي يعتمد على الوقود.
ما أود توضيحه هنا بسرد تاريخي موجز عن تطور الصناعة ومراحلها، هو أن هذا التطور وهذه الثورات الصناعية لم تكن لتتحقق في منأى عن الطاقة، ما يعكس أهميتها وأهمية استدامتها وسلامة شرايينها وإمداداتها. كما أن التاريخ أثبت أن الطاقة كانت روح الصناعة وجوهر ثوراتها، فإن الحاضر الذي نعيشه الآن يؤكد أن شحها في المقابل يعد أكبر تهديد للصناعة وأعظم خطر عليها، وما يحدث في أوروبا بسبب الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا التي تسببت في توقف إمدادات الغاز والنفط الروسيين كليا أو جزئيا عن دول أوروبا، يعلق جرس الخطر عن ضرورة استقرار أسواق الطاقة العالمية وإمداداتها. نقلا عن "بلومبيرج"، بحسب رابطة المصنعين البريطانيين، أن نحو نصف المصانع البريطانية شهد زيادة في فواتير الكهرباء 100 في المائة، وأن منظم الطاقة البريطاني قد أعلن رفع الحد الأعلى لفواتير الكهرباء للمستهلكين بمقدار 80 في المائة بدءا من مطلع تشرين الأول (أكتوبر) المقبل بسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. ارتفاع أسعار الكهرباء يهدد الصناعة البريطانية بصورة كبيرة قد تصل إلى إغلاق 60 في المائة من المصانع، ودول أوروبا ليست في منأى عن هذا الخطر، إذا ما استمرت الأزمة ولم تستقر أسواق الطاقة وإمداداتها.