موسم الحراك النيابي مزدهر في هذه الأيام، وليس خارج المألوف أن يتصرف النواب كأنهم العامل الأساسي المقرر في صنع رئيس الجمهورية. لكن الواقع أن موازين القوى في المجلس النيابي محكومة بحسابات القوة خارج المجلس وحسابات المصالح خارج لبنان. والكل يعرف أن التركيبة السياسية التي خسرت السلطة الفعلية بالتخلي عن موجبات اللعبة الديمقراطية، تتصارع على المناصب الشكلية. ولذلك يبدو الشغور الرئاسي بالنسبة إليها خياراً عادياً في لعبة المناصب كأنه الوجه الآخر لإنتخاب رئيس مؤجل.

ذلك أن لعبة الصراع على المناصب تدور فوق مسرح معزول عن قضايا اللبنانيين وهمومهم، كما عن المخاطر المصيرية على لبنان ونافذة الفرصة الضيّقة المفتوحة أمامه. وما يصطدم به اللاعبون هو أن اللعبة الفعلية الدائرة خارج المسرح تجاوزتهم، بحيث ما عادوا حتى على مستوى السؤال التقليدي منذ عقود: أي لبنان نريد، وأي رئيس نريد. فلا طرف يستطيع أن يقودنا الى لبنان الذي يريد. ولا طرف يمكنه المجيء بالرئيس الذي يريد. ولا تفاهم على صيغة جديدة للبنان وحتى على تطبيق إتفاق الطائف الذي صار دستوراً.

وليس الخلاف على سلاح "حزب الله" ودوره الداخلي والإقليمي سوى تعبير صارخ عن معضلة بالغة الصعوبة أوسع من موضوع المقاومة الإسلامية لإسرائيل. فنحن أسرى سلاح يعتبره صاحبه "قوة للبنان" ويلعب به دور قوة إقليمية هي جزء من المشروع الإقليمي الإيراني، ويراه خصومه مشكلة للبنان ومانعاً لمشروع الدولة وآخذاً البلد الى عداء مع العرب والغرب. والمطلب الكبير حالياً والذي يختصر كثيراً من المطالب هو إخراج النفوذ الإيراني من لبنان في مواجهة التمسك به والدعوة الى التساكن معه.

لكن إخراج النفوذ الإيراني من لبنان صعب كما هي الحال في سوريا والعراق واليمن، لأن جمهورية الملالي وميليشياتها مستعدة لإستخدام القوة. والتساكن معه صعب أيضاً بسبب جذرية المشروع الإيراني في إطار ولاية الفقيه. وتلك هي المسألة. فما العمل؟ فضلاً عن أن ما تريده طهران وتعمل له مع "حزب الله" والحشد الشعبي والحوثيين هو إخراج أميركا من لبنان وكل "غرب آسيا". وما تريده واشنطن الساعية لإحياء الإتفاق النووي هو ضبط النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة. لكن أياً منهما لا يستطيع تحقيق كل ما يريده. فما العمل؟

ما ينصح به الواقعيون هو ترتيب تسويات موقتة. تفاهم على رئيس للجمهورية يساهم في إخراج لبنان من هاوية الأزمات. وما تدعو له فرنسا هو التكيّف مع التساكن. وما يأمل فيه البعض هو توسيع الدور العربي والدولي في لبنان للتوازن مع الدور الإيراني. وهذا مجرد تسليم بحد أدنى من إدارة الأزمة.

والظاهر أننا مدعوون الى تعلم ما سجّله ليسلي غيلب في كتاب "قوانين القوة": "إذا حاولت البحث عن الحل الدائم، فأنت تبحث عن الفشل".