قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تتفاوت نظرة الأجيال المختلفة لنفسها. كثير من المخضرمين مثلنا يعتقدون أنهم عاشوا زمناً أفضل من الزمن الذي تعيش فيه أجيال اليوم. يرون أنه كانت مساحة أكبر للأمل الذي تعلقوا به، حتى لو كان هذا الأمل نفسه قد غدا في أعين الكثيرين مجرد وهم، حتى أن البعض يصفون الجيل الذي ولد ونشأ بين مطالع ومنتصف خمسينات القرن الماضي ب«جيل الخديعة»، لأن ما حسبه أملاً ممكن التحقيق اتضح لاحقاً أنه عصي، دون أن يعني ذلك الإقرار بأن وضع جيل اليوم أفضل، ولا أن زمن اليوم أكثر وعداً.

بالمقابل تجد لدى بعض شباب وشابات اليوم من يغبطون الجيل السابق، لأنه عاش زمناً ممتلئاً بالمعنى، وهو ما يفتقدونه هم اليوم، ويرون أن هذا العصر تقني حدّ الإفراط، وأنه يوفر شلالات من المعلومات ووسائط التعبير لم يقدّر للجيل السابق أن ينعم بها في زمنه، ولكن هؤلاء الشباب يرون أن زمنهم فاقد للروح.
لن نقطع هنا بأي رأي حول هذا التفاوت في التقدير، لأن الأمر يستحق نقاشاً واستفاضة، لكننا سننطلق منه لنعرض لقضية نراها ذات صلة به أشار إليها مارك أوجيه في كتابه الذي أتينا على ذكره في مقال الأمس، كتاب «اللا أمكنة»، وتتصل هذه القضية بالتاريخ ليس فقط بصفته ماضياً، وإنما إلى تداخل يبدو مدهشاً بين الماضي والحاضر، ذلك أن أحداثاً عشناها وتعيشها الأجيال الأصغر سناً باتت تاريخاً بسرعة، ما يعني أن إيقاع التاريخ بات أسرع بما لا يقاس مقارنة بالماضي.
يشير مؤلف الكتاب إلى أن أشخاصاً جايلوه في الطفولة والمراهقة عرفوا نوعاً من الحنين الصامت إلى المحاربين القدامى الذين خاضوا الحرب العالمية الأولى، وكأن لسان حالهم يقول: «ياله من تاريخ»، لكن لم يعد مثل هذا الشعور ممكناً في عالم اليوم، فأحداث كبرى عشناها عادت إلى التاريخ بسرعة لا تقل عن السرعة التي ظهرت بها. ويعطي الكاتب أمثلة على ذلك: فرقة البيتلز، أحداث عام 1968 في فرنسا وأوروبا، حربا الجزائر وفيتنام، سقوط جدار برلين، حرب الخليج، تفكك الاتحاد السوفييتي. إنها أحداث ستشغل بال مؤرخي الغد وما بعد الغد.
من هذا يخلص إلى استنتاج بليغ: «إن التاريخ يلاحقنا كظلنا، شأنه شأن الموت».