قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الجمعية العامة في الدورة 77 هذا العام سطرت على أجندتها 5 أمور، وهي مهمة، ولكنها لم تسطر على اجندتها ما هو الأهم وهو الهدف الرئيسي لإنشاء منظمة الأمم المتحدة، لأنها غير مخولة بهذا الهدف المنوط بالكبار فقط.

الجمعية العامة ليست هي صاحبة الكلمة فيما يخص النزاعات بين الكبار والحروب التي مازال الكبار يصبون الزيت على نيرانها، منذ الجريمة النووية الأولى وما تبع تلك الجريمة من إنشاء لمنظمة دولية تجمع جميع دول العالم. الكبار هم الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، وهم يملكون حق إبطال أي قرار يصدر من الجمعية العامة او حتى مجلس الأمن.

و بين الخمسة هناك قبيلة ساكسون الأكبر، أمريكا وبريطانيا، وفي واقع الأمر فإن هذه القبيلة هي التي مازالت تتحكم بمصير الشعوب، وتعمل كذلك على الحد من صلاحيات وقدرات الأعضاء الثلاثة الباقين في مجلس الأمن، وهم روسيا والصين في المقام الأول، ومن ثم ترويض فرنسا لكي تتناغم مواقفها مع مصالح القبيلة. حق قرار إبطال القرارات الصادرة من الأمم المتحدة عملة ذات وجهين، الوجه الأول شرعي (شرعية القوة - حق الفيتو) حسب دستور الأمم المتحدة، والوجه الثاني لا شرعي ووقح، وهو القدرة على عدم الاعتراف بالقرارات الأممية، وفي حالة الاعتراف الاضطراري عدم الالتزام بتنفيذها. هذا هو الواقع المؤلم والجارح لكرامة بقية الشعوب والأمم، الذي يعكس واقع منظمة الأمم المتحدة …

مجلس خاص للكبار الأقوياء (نخبة الشعوب) وهو منبر القرار وبيده مصير العالم، ومجلس عام للصغار الضعفاء (عامة الشعوب) وهو ساحة كبيرة يعرض فيها العامة شكاويهم ومطالبهم وبعضًا من امنياتهم وآمالهم، وتحقيقها مرهون بما يراه الكبار.

على هذه الأرضية، التي تتربع عليها منظمة الأمم المتحدة، يلتم شمل أعضاء الجمعية العامة مرة كل عام في شهر سبتمبر، وهو شهر اعتدال المناخ في العالم، خريف في النصف الشمالي وربيع في النصف الحنوبي من الكرة الأرضية... اختيار موفق للم شمل هذا الحشد الكبير (الجمعية العامة) الذي يمثل اكثر من 97%؜ من أعضاء الأمم المتحدة، لكي ينفس ما تجوس به نفسه من آلام وآمال، و3%؜ وهم أعضاء مجلس الأمن الذين بيدهم القرار حول ما يطرحه عامة الشعوب في الجمعية العامة.

تأسست منظمة الأمم المتحدة لتلبية أهداف انسانية عظيمة، و هي منع الحروب والمحافظة على السلم والأمن الدوليين وتنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق، وهذه هي الأهداف الرئيسية التي حددها ميثاق الأمم المتحدة... هذه هي حقيقة هذه المنطمة الدولية التي تضم جميع دول العالم، بينما الواقع يؤكد على عدم قدرة هذه المنظمة، وهي أكبر منظمة في التاريخ البشري، من تحقيق أهدافها الانسانية النبيلة. الواقع على الساحة الدولية يناقض الحقيقة التي سطرها الميثاق الأممي، وهذا الواقع تعكسه صلاحية القرارات والتوصيات التي تصدرها كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن، اذ أن القرارات الصادرة من الجمعية العامة غير ملزمة، إضافة الى أنها غير مسئولة عن السلم و الامن الدوليين، بينما مجلس الأمن منوط به حفظ السلم والأمن الدوليين و القرارات الصادرة منه إلزامية … هذا فارق نوعي كبير يميز بشكل غير عادل بين الجمعية العامة و مجلس الأمن، ناهيك عن أن مجلس الأمن قد تحول تدريجيًا منذ تشكيله الى أداة بيد الخارجية الامريكية بشكل ملحوظ.

الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة، او بتعبير أدق الهيكل الوظيفي، يحدد نخبة الإدارة العليا، وهي مجلس الأمن، الذي يتحكم في بقية دول العالم، وإنه على بقية دول العالم في الجمعية العامة، أي الـ97­% من أعضاء الأمم المتحدة، الانصياع لقرارات (أوامر) 3­%من الأعضاء. سبتمبر هذا العام يشهد العالم الدورة 77 للجمعية العامة، وعلى اجندة هذه الدورة 5 أمور، وليس قضايا، يجب تداولها، وهي استبدال رئيس سابق برئيس جديد، وهذا أمر إجرائي، والأمور الأخرى ذات الطبيعة الوظيفية، دون لزوم التنفيذ، هي «قمة تحويل التعليم» و«وقفة خاصة مع أهداف التنمية المستدامة» و«حقوق الاقليات» و«اسبوع الأهداف العالمية». عندما تنتهي الجمعية العامة من إصدار توصياتها بشأن هذه الأمور الخمسة، ترفعها الى مجلس الأمن للنظر فيها وتحديد ما يلزم وما لا يلزم. هذه الامور الخمسة، رغم اهميتها التي تعكس واقع العجز واليأس، إلاّ انها لا تتضمن، ولو بالاشارة، أي أمر له علاقة بالسلم والأمن الدوليين، وهما الهدفان الرئيسيان لتاسيس المنظمة الدولية. العالم يتآكل من الجوع والجهل وعدم القدرة على تلبية الحاجيات الأولية للعيش الكريم وغياب المساواة بين الدول القوية والدول التي لا حول لها و لا قوة، والتخلف عن ركب الحضارة، وكل هذه المآسي هي من آثار الحروب التي لم تتوقف منذ الحرب العالمية الثانية. هذه الحروب التي لم تتوقف، ويبدو أنها لن تتوقف، هي نتيجة للصراع بين أعضاء الإدارة العالمية العليا (مجلس الامن) على المصالح الاقتصادية التي ترسمها مناطق النفوذ الدولية تحت مسمى «المصالح الجيوسياسية».

سبعة وسبعون عامًا مرّت على ولادة منظمة الأمم المتحدة بهدف تحقيق السلم والأمن الدوليين، ولكن هذا الهدف العظيم الضروري لتحسين الخلل في حضارة اليوم وتطويرها وحفظ الجنس البشري من الانقراض لم يتحقق، وليس في افق الايام القادمة اي أمل لتحقيق الهدف، او حتى الاقتراب منه، بل إن توالي الصراعات والحروب تأخذ مسارًا تصاعديًا مما يجعل من المنظمة الدولية كأنها لم تكن، أي إن المنظمة ليست سوى «طوير الزم» بين التحالفات الدولية والمصالح الجيوسياسية. الجمعية العامة اجتمعت أو لم تجتمع فإنها غير مخولة بمناقشة شؤون السلم والأمن، أي بالقضايا التي تمس جوهر الوجود الكريم بالنسبة لجميع شعوب العالم، وقراراتها لن تمس، ولو بشعرة، المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى.. والمصالح الجيوسياسية، وفي أساسها نهب مقدرات الشعوب، هي التربة التي تنبت حنظل الحروب.. منظمة الأمم المتحدة وُلِدَتْ مريضة ومشوهة، وهي اليوم في حالة أشبه بالموت السريري، ولا عجب من اقتراب أجلها، وهذا ما لا نتمناه رغم مرضها المزمن العسير.