قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كانت البراغيث منتشرة في أوروبا، وكانت تترك آثاراً حمراء على الجلد، وأدت إلى ضيق الناس بها وبآلامها. في القرن السابع عشر قام العالِم الهولندي «ليفنهوك» بوضعها على الميكروسكوب، فكانت المفاجأة أننا إزاء كائن كبير، له مكونات كثيرة وتفاصيل عديدة. وحسب عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينج، كانت هذه بداية نهضة علم الأحياء الدقيقة.

كان العلماءُ المسلمون قد استخدموا أنواعاً بسيطة من الميكروسكوب، ثم قام العلماء الألمان بإحداث نُقلة علمية كبيرة في ذلك المسار، وفي عام 1674 استطاع «ليفنهوك» الذي اخترع أول مجهر ضوئي، أن يكتشف الميكروبات، وأن يرى تفاصيل عالم كامل قائم بذاته داخل قطرة ماء!

في منتصف القرن السابع عشر، تم استخدام اسم «الميكروسكوب» وبدأ علم المجهريات أو علم الأحياء الدقيقة يصعد تدريجياً، حتى أصبح اليومَ مدهشاً ومذهلاً.. بلا حدود. وقد حفلت الصور الفائزة في مسابقة «نيكون سمول وورلد» للتصوير المجهري هذا العام (2022)، بمشاهد بديعة لمقاطع من كائنات دقيقة للغاية، إلى حدّ أنها يمكنها أن تزحف على شعرة واحدة من شعر الإنسان بكل ثقة وهدوء.

لقد أضاءت لنا «ثورة الميكروسكوب» حياةَ ذلك العالَم المتناهي الصِّغر. وأصبح بإمكاننا رؤية عالم البكتيريا والفطريات، بل وأمكن عبْر إحداث تصادمات شديدةٍ رؤية «الكواركات» التي تتشكل منها البروتونات والنيترونات.. والكوارك هو أصغر جسيم أوّلي أبعاده صفرية متناهية الصغر.


حين أخضع «ليفنهوك» البرغوثَ للمجهر الضوئي، ووجد تفاصيلَ مثيرةً لذلك الكائن الضئيل.. كان ذلك صادِماً، واليوم فإن البرغوث يبدو عملاقاً إلى جوار الكائنات المجهرية التي يدرسها العِلمُ المعاصرُ.
إن المرء ليذهل من ذلك الإنجاز العلمي في ذلك الحقل، ويزداد ذهوله حين يدرك أن العلماء يدرسون (181) نوعاً من البراغيث، ويفرقون بينها من حيث التشريح والوظائف والتناسل والأضرار التي تسببها.
ويدرس العلماء براغيث الإنسان والحيوان، وتفاصيل الفم وطريقة الحصول على وجبات الدم، وطريقة القفز التي تصل إلى (30) سم، وتشبه طريقةَ أداء لاعب كرة القدم ليونيل ميسي، الذي يطلق عليه جمهوره اسم «البرغوث». ومن طرائف هذا الأمر هو تقدير العلماء لعُمر البرغوث ما بين شهرين وعام واحد، وقدرة البرغوث على تحمل الجوع عدة أسابيع.

إن تشريح هذه الكائنات ليس مجرد استعراض للتقدم العلمي، بل من أجل حماية الإنسان، وليس حمايته من لدغات البراغيث فحسب، ولكن الحماية من نقل البراغيث مرضَ الطاعون إلى البشر عبر هذه اللدغة. وكان رصدُ العلماء لأماكن وضع أنثى البرغوث بيضَها، ولعملية فقس اليرقات، ثم للتحول نحو حشرة كاملة.. سبباً في تطوير أدوات قتلها، وفي نصائح النظافة التي تقطع دورة الحياة لها، وتقضي عليها.
يا له من طريق طويل ومجيد، ذلك الطريق إلى عصر المجهر، واكتشاف عالم الكائنات الدقيقة، والتي يبدو بعضها اليوم بالنسبة للبرغوث مثل حجم البرغوث مقارنة بفيل ضخم!

وبالقدر الذي جعل به العلمُ عالَمَنا خطيراً ومفزعاً، بالقدر الذي جعل به حياتَنا عظيمةً، وبقدر ما يمكن أن يشكل العلمُ الكثيرَ من الألم، فإنه يمثل الأكثر من الأمل.