قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

التضخم عالمياً اشتعل بفعل عدة عوامل منها ماحدث بالأمد القريب بداية من جائحة كورونا وتداعياتها بسبب الإقفال الكبير دولياً، بالإضافة للحرب الروسية على أوكرانيا التي رفعت أسعار الطاقة والغذاء أيضاً، لكن هناك أيضاً ما صنعته السياسة النقدية لأميركا من تيسير نقدي ضخم وخفض لأسعار الفائدة وارتفاع بميزانية الفيدرالي الأمريكي، وتأخر بفهم طبيعة التضخم وأنه ليس عابراً كما كان يصفه باول رئيس الفيدرالي الاحتياطي الأمريكي، أما الأمد البعيد فللسياسة النقدية أيضاً لأميركا الدور الأكبر برفع معدلات التضخم على مدى عقود نتيجة لانخفاض الدولار بسبب الفائدة المنخفضة لأوقات طويلة، وضخ أموال بحجم هائل بالأسواق، فدولار اليوم يعادل حوالي 4 سنتات من قوته الشرائية بالمقارنة مع عام 1935م، لكن ما يعيشه العالم اليوم يمثل مفترق طرق مهماً منبع التأثير فيه واشنطن بسياساتها الاقتصادية عموماً، وكذلك بالملفات السياسية دولياً، وما سينتج عن كل ما يحدث هو عالم جديد من حيث موازين القوى والتوجهات.

لكن بالنظر لأميركا فإن حكومة الديمقراطيين بقيادة الرئيس بايدن تعيش أدق مراحل إدارتها لأميركا، فهم على بعد أسابيع من انتخابات الكونجرس النصفية والتي ستحدد الكثير من معالم المرحلة المقبلة لهذه الحكومة، فخسارة الأغلبية بالكونجرس تعني شللاً شبه تام بقدرتها على تمرير القرارات والقوانين التي تتوجه لها داخلياً، وببعض الأمور الخارجية وبذلك فإن فرص فوز رئيس ديمقراطي بعد عامين قد تكون ضئيلة وهم يخشون عودة الجمهوريين للحكم لأن اليسار الديمقراطي المؤثر بالحياة السياسية بأميركا سيواجه على الأغلب صداماً مع الجمهوريين خصوصاً إذا كان الرئيس القادم هو ترمب، فحالياً يعد الضخم أحد أكبر العوائق والمطبات الكبرى للحكومة الحالية ويمثل خطراً على مستقبلها السياسي، لأن الناخب الأميركي لا يعنيه إلا الاقتصاد بالدرجة الأولى وما هي تكلفة معيشته، فمن هذا المنظور فقط يكون التقييم وإذا لم يقتنع بخطوات الحكومة لمعالجة الملفات الاقتصادية وعلى رأسها التضخم فلن يكون صوته لهم إلا بخطة مقنعة يمكن له أن يعطيها الفرصة لإظهار نتائج عملها، وبالمقابل سينظر أيضاً للآثار المترتبة على ما يقومون به، هل يدخل الاقتصاد بحالة ركود حقيقي أي ترتفع فيه نسب البطالة وتنخفض الأرباح والبعض من الشركات قد يتحول للخسائر وربما الإفلاس؟ وهل سيولد ذلك أزمات متشعبة قد تطال النظام المالي من جديد؟ فالتحديات أمام حكومة بايدن كبيرة داخلياً وتضغط عليها أكثر الأوضاع الدولية التي تتصاعد بشكل كبير سواء بأوروبا بعد أن أعلن الرئيس بوتين ضم أربعة أقاليم لروسيا وهي المنفصلة عن أوكرانيا بفعل دعم روسي عسكري وسياسي فهذه الخطوة تمثل أكبر تصعيد حالياً وتعني ان لا رجعة عن استمرار الحرب وربما تطورها لتكون واسعة بتدميرها فكلما طالت يعني ذلك مدة أطول لبقاء التضخم دولياً بمستويات عالية ومهما اتخذ من قرارات من الفيدرالي الأميركي فإنها لن تكفي للجم التضخم كما يرغبون بفعل العوامل الخارجية.

فقد نسمع قريباً عن تراجع بالتضخم لكنه لا يعدو أن يكون هامشياً، ولابد من معرفة تبعات ما اتخذ من قرارات لمواجهته على الأنشطة الاقتصادية بالمقام الأول، فالعديد من الخبراء الاقتصاديين الأميركيين منهم عالم الاقتصاد جيرمي سيقل الذي اعتبر أن الفيدرالي يرتكب أخطاءً تاريخية سواء بتقديره للتضخم ببداياته قبل أكثر من عام ونصف وأيضاً طريقته الحالية بالمعالجة، حيث إنه اعتبر ما ارتكب من أخطاء بهذين العامين الأكبر عبر تاريخ البنك الممتد لمدة 110 أعوام.

فالملف الاقتصادي بأميركا بكل السياسات الفاعلة فيه سيواجه عاجلاً أم بعد فترة لن تكون طويلة صداماً داخل الأطراف الرسمية الفاعلة فيه، فلن تكون الحكومة راضية عن سياسات الفيدرالي المتشددة إذا ما أوصلت الاقتصاد لركود حقيقي، وهو يختلف عن الركود التقني الذي مر به الاقتصاد الأميركي بالربعين الماضيين إذ لم يشهد ارتفاعاً بنسب البطالة التي تعبر بشكل دقيق عن حالة الاقتصاد، لذلك فإن البيت الأبيض حالياً راضٍ عن كل الخطوات، لكن بمجرد أن ترتفع البطالة وتبدأ الشركات بالغوص بالخسائر والإفلاسات فلن يقف البيت الأبيض مكتوف الأيدي، وسيطلب عودة للسياسات النقدية المرنة، وسيدعم سياسات مالية توسعية، وهي تعاكس خطط خفض التضخم وذلك لأسباب سياسية غالباً تتعلق بالانتخابات الرئاسية بعد عامين، فالمعركة لن تكون يسيرة أمام صناع القرار بواشنطن وول ستريت لتركيب معادلة متجانسة تخفض التضخم وتمنع الانزلاق لركود حقيقي وما يتبعه من أزمات عديدة.

الواقع يقول إن أميركا تحت مطرقة التضخم وسندان الركود الاقتصادي، وبما أن الصراعات التي تتداخل فيها أميركا خارجياً مع روسيا بتصعيد عالٍ ومع الصين بوتيرة أقل حيث وصل اليوان لأدنى سعر له مقابل الدولار منذ 2008 والتي تستورد منها أميركا سلعاً بأكثر من 600 مليار دولار سنوياً فما ارتفاع التكاليف بالصين إلا ارتفاع بتكلفة المعيشة للمواطن الأميركي بهذه الحالة، فهذه الصراعات مع الخارح تعد أيضاً عوامل قد تنقلب ضدها في حربها على التضخم فإن ما قد يحدث للخروج من هذا المأزق قد ينطوي على تحركات سياسية ولربما عسكرية غير منتظرة من قبل واشنطن لقلب المعادلة لصالحها، فما يتخذ من خطوات لمعالجة الملفات الاقتصادية يصطدم بواقع دولي قد لا تجدي معه الدبلوماسية دائماً إلا بتفاهمات مبنية على إعادة قناعات واشنطن لمراعاة مصالح الدول والجنوح للدبلوماسية على أسس واضحة تكفل مصالح الدول بالإضافة لإعادة تصحيح طرق معالجة التضخم من الفيدرالي بعدم تكرار الخطأ الذي ارتكب من البداية بتأخير رفع الفائدة عندما ارتفعت الأسعار قبل أقل من عامين بعدم الإسراع لإيصال الفائدة لمستويات عالية بوقت قصير ستضر أكثر ما تفيد الاقتصاد الأميركي بل والعالم، فما نتج عنها حتى الآن هو الدولار القوي الذي أضر بكثير من الدول وأولهم حلفاؤهم بأوروبا.