قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ماذا يعني نجاح حزب «إخوة إيطاليا» الذي تتزعمه السياسية الشابة «جيورجيا ميلوني» في الانتخابات البرلمانية الأخيرة المنظمة في إيطاليا؟ لم يكن من المتوقع أن ينتصر هذا الحزب الذي تأسس سنة 2012 على أنقاض حزب «التحالف الوطني» اليميني المتشدد في بلاد حكمتها في الغالب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أحزاب «الديمقراطية المسيحية» وعرفت دوماً صعوداً قويا لتشكيلات اليسار بما فيها الحزب الشيوعي. بدأ التوجه إلى اليمين المتشدد مع وصول رجل الأعمال الشهير «سلفيو برلسكوني» للسلطة عام 1994، في سياق تحالف واسع مع الحركات اليمينية بما فيها التيار المتَّهم بالفاشستي.

وبداية من عام 2018 تزايد حضور اليمين المتطرف من خلال حزب «رابطة الشمال» الذي يتزعّمه «ماتيو سلفيني» وشارك عدة مرات في الحكومات الائتلافية المتعاقبة التي حكمت البلاد منذ تلك الفترة إلى الانتخابات التشريعية الأخيرة. ومن المتوقع أن تشارك «الرابطة» بالإضافة إلى حزب برلسكوني في حكومة «جيورجيا ميلوني» في إطار تكتل يضم كلَّ مكونات اليمين بما فيها حركة اليمين المتشدد. لا يعرف الكثير عن الشابة مليوني التي دخلت البرلمان ثلاث مرات وعُينت وزيرةً وهي في بداية عقدها الثالث، غير أنها أشادت في تصريحات سابقة بالزعيم الإيطالي «موسولوني»، كما أنها لا تخفي نزعتها غير الودية إزاء المهاجرين والأجانب.

ومع أنها تدافع عن النظام الليبرالي في الاقتصاد، وتتبنى نهج الدفاع الأوروبي المشترك والشراكة الأطلسية، وقد وقفت بقوة ضد الحرب في أوكرانيا وأيدت العقوبات المفروضة على روسيا، إلا أنها تنطلق من تصور قومي محافظ مما يقرّبها إلى بقية أحزاب اليمين الأوروبي المتشدد. في كتابها الصادر بالإيطالية سنة 2021 بعنوان «أنا جيورجيا: جذوري وأفكاري»، نلاحظ أن مشروع ميلوني يدور حول مرتكزات ثلاث هي: الدين والأسرة والوطن، في مواجهة ما تعتبره مخاطر تفكك المجتمع الإيطالي وضياع هويته الحضارية وتقاليده المجتمعية الموروثة. ومع أن أحزاب اليمين المتشدد لا تتفق كلها في هذه النزعة المحافظة دينياً واجتماعياً، إلا أنها لا تختلف من حيث النتائج المترتبة على هذا التصور من تشبث بفكرة الأمة في بعدها العضوي المرتكز على الهوية التاريخية، وفي الدفاع عن الأصول المسيحية البيضاء للحضارة الأوربية، في مقابل حركة الهجرة والتنوع الديني والقومي، وفي منحها الأولوية للنظام والأمن والانسجام الإثني والوطني على قيم التعددية والحرية والديمقراطية.

لقد كان يعتقد أن أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية قد تخلصت نهائيا من أشباح اليمين المتطرف التي أدخلتها في حروب مدمرة، وأصبح من الجلي أن الحراك الديمقراطي فيها محصور بين تياري اليمين الليبرالي (الديمقراطية المسيحية ويمين الوسط) والاشتراكية الديمقراطية.
بيد أن التنظيمات اليمينية المتشددة التي كانت في الماضي هامشيةً ومعزولةً اخترقت في السنوات الأخيرة الساحة السياسية، وأصبحت تحكم إما منفردةً أو في تكتلات ائتلافية في عدة دول، كما هو الشأن في هنغاريا وبولندا ولتوانيا وسلوفاكيا (وهي كلها بلدان شيوعية سابقة)، كما أنها غدت قوى انتخابية رئيسية في أغلب دول أوروبا الغربية والشمالية
.ومن الجلي أن هذه الحركية وجدت في روسيا الجديدة ظهيراً أيديولوجياً وسياسياً من خلال أطروحة «الديمقراطية السيادية» المؤسَّسة على التقاليد المجتمعية والحضارية والثوابت القومية والتاريخية التي يدافع عنها الرئيس بوتين والدوائر الفكرية المقربة منه.

والسؤال المطروح بقوة في أوروبا حالياً هو: هل ستشكل إيطاليا بعد الانتخابات الأخيرة دعامةً لمحور اليمين الأوروبي إلى جانب هنغاريا وبولندا، بما ينذر بإضعاف وزعزعة المشروع الاندماجي الأوروبي القائم على القيم الليبرالية الديمقراطية؟ إذا كانت جيورجيا ميلوني تقترب فكرياً من مفاهيم وشعارات رئيس الحكومة الهنغارية «فكتور أوربان»، في نزعته الدينية المحافظة وتصوراته القومية المعروفة، فإنها لا توافقه في انحيازه لروسيا وفي مواقفه المناوئة لتوطيد وتوسيع الاندماج الأوروبي.

وفي هذا السياق، تبدو ميلوني على انسجام مع موقف رئيس الوزراء البولندي «ماتيوش مورافيتسكي» من الحرب الأوكرانية الحالية، كما تبدو قريبة منه أيديولوجياً لكنها تعارضه في سياساته الأوروبية.
في سنة 1994 حذر الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن من حكم رئيس الوزراء برلسكوني الذي اعتبره لحظة انهيار الديمقراطية الإيطالية وصعود ما سماه الظاهرة التواصلية والإعلامية التي تلغي قيم الحقيقة والنقاش العمومي والجدل البرهاني، معتبراً أنه حتى لو تمت هزيمة هذه الظاهرة فإن أثرها المجتمعي لن يزول. فهل ما تعيشه إيطاليا اليوم يجسد صحة هذا التوقع؟