التعددية القُطبية، الثنائية القُطبية، الأحادية القُطبية، جميعها تُعبر عن أشكال النظام الدولي، أو البنيان الدولي. وبالتالي فإنه يمكننا القول إن هذا النظام الدولي متعدد القطبية، أو ثنائي القطبية، أو أحادي القطبية، بناءً على عدد القوى الدولية المُهيمنة فِعلاً على حركة السياسة الدولية، والقادرة عملياً على التأثير المُباشر على المجتمع الدولي سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً وتقنياً وتكنولوجياً وثقافياً.

وهذه القوى الدولية المشكلة للنظام الدولي يجب أن تتمتع بقدرات وإمكانات متساوية أو متقاربة جداً من بعضها البعض لتتمكن من تسيير السياسة الدولية بالاتجاه الذي يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على مواجهة القوى الدولية الأخرى في ميدان السياسة الدولية بمختلف مجالاته وتوجهاته. وبناءً على هذه المعايير المُشكلة للقوة والمحققة لشروط الهيمنة الدولية، يتشكل النظام الدولي ليكون نظاماً متعدد الأقطاب في حال وجود ثلاث قوى دولية أو أكثر تتمتع بقدرات وإمكانات متساوية أو متقاربة جداً، أو يكون نظاماً ثنائي القطبية في حال وجود قوتين دولتين متساويتين أو متقاربتين جداً في القدرات والإمكانات، أو يكون نظاماً أُحادي القطبية في حال وجود قوة دولية واحدة تتمتع بقدرات وإمكانات تفوق بكثير قدرات وإمكانات القوى والدول الأخرى في المجتمع الدولي.

إذاً نحن نتحدث عن نظام دولي تُشكله قوى دولية، وتُسيره قوى دولية، وترسم خُطوطه العريضة قوى دولية، وتُحدد قيمه ومبادئه وأخلاقياته قوى دولية، وتُهيمن على فضاءاته أفكار وثقافات وأيديولوجيات القوى الدولية المُهيمنة. فإذا كان النظام الدولي بهذا التوصيف القائم في أساسه على منافسة عالية بين قوى دولية تسعى جميعها للهيمنة الكاملة على النظام الدولي، فهل يُمكن أن تسود - أو تتحقق - العقلانية والعدالة في النظام الدولي؟

قد يرى البعض أن طرح مثل هذا التساؤل غير منطقي؛ انطلاقاً من إيمانهم بتوفر العقلانية والعدالة في النظام الدولي، بينما قد يرى آخرون أن الأصل في النظام الدولي غياب العقلانية والعدالة استناداً لتجارب التاريخ البعيد والقريب وأحداث الحاضر. وهاتان الرؤيتان ليستا متناقضتين، وإنما تعبران حقيقةً عن رؤية كل طرف لقيم العقلانية والعدالة القائمة في النظام الدولي. فمن وجهة نظر القوى الدولية المُهيمنة على السياسة الدولية، فإنها ترى أن قيم العقلانية والعدالة قائمة خاصة أنها تكفل وجودها وتطبيقها في المجتمع، وبالتالي لا حاجة لطرح مثل هكذا تساؤلات. أما من وجهة نظر الدول الأخرى في المجتمع الدولي الواقعة تحت الهيمنة - المُباشرة أو غير المباشرة - للقوى الدولية فإنها ترى استحالة وجود قيم العقلانية والعدالة في النظام الدولي. وهاتان الحالتان تعبران بشكل مُباشر عن وجهتي نظر تسودان المجتمع الدولي كلاً بحسب المكان والموقع الذي يتواجد فيه وينطلق منه، فإن كان من القوى الدولية مُهيمنة على السياسة الدولية ادعى أن العقلانية والعدالة قائمة ولا حاجة للشكوى أو الدعوة للتغيير، وإن كان واقعاً تحت تأثير وهيمنة قوى دولية عالمية فإنه سيرفع صوته شاكياً مُتظلماً من غياب العقلانية والعدالة في المجتمع الدولي ومطالباً بالتغيير. ومن هذه المُنطلقات المُتضادة يتضح نظرياً وعملياً أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الوصول لنتيجة متفق عليها لإمكانية إقامة وسيادة العقلانية من عدمها في المجتمع الدولي. ولكن بعيداً عن هاتين النظرتين المتضادتين للعقلانية والعدالة، نتساءل إن كان هناك فعلاً مجال للعقلانية والعدالة في السياسة الدولية لتسود بقيمها المجتمع العالمي.

إذا أيقنا بأن النظام الدولي - على امتداد التاريخ - تُسيره قوى دولية مُتنافسة فيما بينها أو مُهيمنة على بعضها البعض، فإننا نصل للنتيجة المباشرة المتمثلة بحتمية غياب العقلانية واستحالة إقامة العدالة.

نعم، إن وجود قوى دولية مُهيمنة على النظام الدولي يعني بالضرورة أنها سوف تعمل على فرض رؤيتها الخاصة، وأيديولوجيتها القومية، وسياساتها ومصالحها الوطنية، على غيرها من المجتمعات والدول والأمم المتقاربة معها، والمختلفة عنها، والقريبة منها، والبعيدة عنها. وهنا يمكن القول إن هذه المساعي القائمة على الفرض تعبر بشكل مباشر عن غياب تام لقيم العدالة لأنها تعلي من شأن ثقافة وحضارة وأيديولوجية خاصة بمجتمع ودولة وأمه وحضارة على غيرها من المجتمعات والدول والأمم والحضارات. ومن جانب آخر، فإن حالة الفرض هذه التي تمارسها القوى المهيمنة حتماً سوف تؤدي أو تقود إلى رفض كلي أو جزئي من كثير من المجتمعات والدول والأمم الأخرى، ما يعني الاقتراب من حالة الصدام المباشر الذي قد يتصاعد لحالة من الصراع المسلح مما يعني غياب تام لقيم العقلانية لأنها تؤدي لدمار وخراب مجتمعات فقط لأنها رفضت الهيمنة الخارجية على مجتمعها وهويتها وحضارتها. إذاً نحن أمام نتيجة واضحة ومباشرة - نظرياً على أقل تقدير - لاستحالة تحقق العقلانية والعدالة في النظام الدولي.

فإذا كان هذا الطرح المُجرد يفترض استحالة وجود العقلانية، واستحالة إقامة العدالة، في النظام الدولي، فإن أحداث التاريخ البعيد والقريب والحاضر - خاصة سياسات الاستعمار البغيض التي سادت على مدى قرون عديدة لِمُعظم أقاليم ومناطق العالم - تؤكد تماماً صحة الافتراض النَّظري بالنتيجة المُتمثلة باستحالة وجود العقلانية، واستحالة إقامة العدالة في النظام الدولي أياً كانت القوى الدولية المُهيمنة عليه، وأياً كان شكله وبنيانه. نعم، إن القوى الدولية التي هيمنت وشكلت بنيان النظام الدولي على مدى القرون الماضية رسَّخت وأقامت عن طريق سياساتها الاستعمارية البغيضة، ومن خلال مُمارساتها وسلوكياتها العسكرية والأمنية الوضيعة، قيم ومبادئ الظُلم والبَغي والجور والتعسُف والطُغيان والاستبداد على المجتمعات والدول والأمم التي استعمرتها وسلبت ثرواتها واستنزفت مواردها، بينما تجاهلت تماماً قيم ومبادئ العقلانية والعدالة والحكمة والإنصاف والكرامة والحقوق الطبيعة للمجتمعات والدول والأمم. إن هذه السلوكيات والممارسات الإجرامية التي مارستها القوى المُهيمنة على النظام الدولي على مدى القرون الماضية ساهمت مساهمة مباشرة بتدمير وتخريب مجتمعات، وتشويه وتحريف ثقافات وحضارات، وتشريد وتهجير شعوب وأمم، حتى ساد الفقر والجوع والجهل والأوبئة في تلك المجتمعات التي عانت وما زالت تعاني من ظلم وتسلط واستبداد قوى الاستعمار العالمية.

وفي الختام.. من الأهمية القول إن دروس التاريخ وحقائق الحاضر تُبين لنا بجلاء أن معظم القوى الدولية المُطالبة بنظام دولي تسوده العقلانية والعدالة والحكمة كانت في مرحلة تاريخية سابقة من أشد القوى الدولية التي مارست وتمارس الظُلم والاستبداد والتعسُف من خلال سياساتها الاستعمارية على المجتمعات والدول والأمم المُختلفة عنها، والرافضة لهيمنتها، إلا أن تراجعها ووقوعها تحت هيمنة قوى دولية أعظم منها جعلها تُطالب بالعقلانية والعدالة، ليس إيماناً بهذه القيم السامية، وإنما لِحشد التأييد ضد القوى المُهيمنة. هكذا هي حقيقة النظام الدولي حيث القوة بكافة أشكالها، هي المُحدد الرئيس لِشكل البينان الدولي، وهي المُحرك الأساس للسياسة الدولية.