قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بدت جلسة البرلمان اللبناني لانتخاب رئيس للجمهورية بمثابة تجربة معقدة لعبت بشكل متقن لتظهر صوراً ونتائج هي في الواقع صور طبق الأصل عن مجتمع سياسي لبناني انقسم عمودياً حول معظم القضايا والاستحقاقات، ومنها انتخابات الرئاسة. وإن بدت جلسة الانتخاب مفاجئة بتوقيتها لجهة الإعلان عنها، أو لجهة نتائجها، ففي كلتا الحالتين ستشكل مساراً لسياق لاحق حول كيفية إدارة الانتخاب.

لقد راعى التوقيت في اللحظة الأخيرة المهل الدستورية لعملية الانتخاب من حيث المبدأ، لكن في المقابل أدى الإعلان إلى قطع الطريق عن مرشحين محتملين أقوياء للرئاسة، وهي متصلة بعدم قطع المهل الدستورية لإتاحة المجال لمرشحين من دون تقديم استقالتهم قبلاً من مناصبهم، قياساً على سابقة انتخاب الرئيس ميشال سليمان، انطلاقاً من تجاوز المهل الدستورية استناداً إلى الفراغ الرئاسي الحاصل آنذاك، أما في النتائج فالموضوع له أبعاد أشد قسوة، ويثبت أن العملية الانتخابية تستلزم المزيد من المشاورات والاتفاقات المسبقة قبل الشروع تنفيذياً، في انطلاق أية جلسة لاحقة، وهو ما أشار إليه رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، بوضوح لاحقاً.

ثمة سابقة في الحياة السياسية اللبنانية أن ينتخب ثلاثة وستون نائباً بورقة بيضاء، وهو بمجموعه يشكل أغلبية مطلقة، إلا صوتين، ما يعني أن الانقسام، الحاد وإن بدا بهذه الصورة، فهو مؤشر قوي لإعادة خلط الأوراق لاحقاً لجذب نائبين لتأمين الأكثرية، شرط حضور الثلثين واستمرارهم في جلسة الانتخاب وهي القطبة المخفية التي يجب ترتيبها قبلاً، لاسيما وأن المرشحين، وإن توحدت أصواتهم لاحقاً، لن تصل مجموعها الى الرقم المطلوب، ما يؤكد وجوب اللجوء لحبكة تعيد خلط الأوراق وبشكل آمن لإيصال مرشح يتفق عليه.

وفي أي حال من الأحوال، وبصرف النظر عن هوية وبرنامج المرشح الرئاسي، ثمة مواصفات أكثر تعقيداً من أي انتخاب سابق، فكما بات معروفاً ومؤكداً أن العامل الخارجي سيلعب دوراً فاعلاً في إعادة تركيب الصورة للانتخاب، إلا أن هؤلاء اللاعبين سيواجهون مصاعب مختلفة عما سبق، لاسيما وأن عوامل داخلية وخارجية كثيرة دخلت على عمليات التأثير، وتستلزم بالتالي أعادة صياغة وقراءة للمزاج السياسي العام لكي تصل النتيجة إلى خواتيمها المطلوبة.

والأمر الأكثر غرابة حالياً، أن تشكل العوامل الخارجية مساعداً مسرّعاً لتمرير عملية الانتخاب، من بينها وأبرزها قضية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وما لها من صلة بموارد الطاقة البحرية التي تحتاج إليها أوروبا حالياً، كبديل عن الغاز الروسي، وهو أمر تتقاطع معه ظروف لبنانية أخرى، كحاجته الماسة لاستثمار موارده البحرية وسط أوضاع مالية واقتصادية معقدة جداً يمر بها لبنان حالياً، إضافة إلى أن مختلف الشرائح السياسية اللبنانية باتت مقتنعة بوجوب التوصل إلى اتفاق ما، حول الانتخاب الرئاسي وسط عوامل الوقت والاقتصاد الضاغطة بشكل قوي جداً.

ثمة ظروف مماثلة مرّ بها لبنان، وهي عقد الثمانينات من القرن الماضي، إن لجهة الانقسام العمودي، أو التدخل الخارجي، أو تسارع المؤثرات الخارجية، أو انفلات الوضع الأمني والعسكري، وصولاً إلى الحكومة العسكرية آنذاك، وبعدها اتفاق الطائف، وربما اليوم لبنان بأمسّ الحاجة لإعادة تكوين عقد سياسي اجتماعي يسهم في إعادة ترتيب توازنات تعبر عن واقع مأزوم يستلزم حلاً، ولو كان بنكهة إقليمية ودوليةن على غرار المحطات اللبنانية السابقة التي لا تعدّ ولا تحصى.

لطالما شكلت مناسبة الانتخابات الرئاسية ممراً لمرحلة ما في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية، واليوم تبدو هذه المرحلة لها شروطها الخاصة المختلفة عن سابقاتها، وهي تستدعي توافقاً، إقليمياً ودولياً، في ظل ظروف دولية شديدة التعقيد، كما الظروف الداخلية اللبنانية غير المسبوقة لجهة حدتها وتداعياتها.