قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

انتهى عهد ميشال عون بنهاية أكتوبر الماضي، لكن معركته مع فريقه السياسي ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لم تنته بعد. ويُتوقع أن تشتد وتتفاعل أكثر خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار الفراغ الرئاسي نتيجة حالة «الانسداد السياسي» التي يعانيها مجلس النواب، وتأخير انتخاب رئيس للجمهورية، وفي ظل محدودية صلاحيات حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي.. الأمر الذي يبرز أهميةَ «الحاكم سلامة» وصلاحياتِه في إدارة المرحلة الاقتصادية المقبلة، وبما تواجهه من تحديات مالية وأزمات اجتماعية، لاسيما المخاطر النقدية والتوسع في «الدولرة» التي أدت إلى إفقار أكثر من نصف الشعب اللبناني نتيجة تدهور سعر صرف الليرة، وتجاوز سعر دولار بيروت 40 ألف ليرة.
لقد واكب «المركزي» التطورات السلبية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بالإفراط في طبع العملة وضخ 65 تريليون ليرة، حتى ارتفع حجم الكتلة النقدية من 10 تريليونات عام 2019 إلى 75 تريليون ليرة حالياً، ما يهدد بـ «الدولرة الشاملة»، خصوصاً أن الدولارات التي خرجت من المصارف في تلك الفترة بلغت 30 مليار دولار، منها 20 مليار دولار خرجت من لبنان، وأكثر من 10 مليارات احتفظ بها أصحابها في منازلهم. مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المرحلة قد تمتد حتى نهاية ولاية سلامة في 31 يوليو المقبل. لكن ما التطورات المرتقبة في الأشهر المقبلة؟
ومع نشر موازنة العام الحالي التي تضمنت زيادات لرواتب الموظفين ثلاثة أضعاف بسبب انهيار قيمة دخولهم، زادت كلفتها من 1.3 تريليون إلى 3.3 تريليون ليرة، وتقع على الدولة مسؤولية التمويل. وإذا لجأ «المركزي» إلى «طبع الليرة» بناء على طلب الدولة، فهو سيضطر إلى ضخ ما يعادل 340 مليون دولار لتغطية زيادات ثلاثة أشهر (أكتوبر–ديسمبر). وفي رأي سلامة أن هذه الخطوة ستخلق تضخماً أكبر من التضخم الناتج عن تراجع سعر صرف الليرة، وبما يسهم في ارتفاع سعر دولار بيروت إلى مستويات قياسية جديدة.
وإضافة إلى ذلك، يرتقب أن تطرأ تعديلات جذرية على سعر الصرف، ستبدأ في أول ديسمبر المقبل بتطبيق الدولار الجمركي بسعر 15 ألف ليرة، وفي أول فبراير سيبدأ العمل باعتماد 15 ألف ليرة كسعر رسمي للدولار، وتبدأ معه مرحلة توحيد أسعار الصرف، لتقترب تدريجياً من السعر«الصيرفة» البالغ حالياً 30 ألف ليرة، على أن يتم «تعويم» السعر الموحد وفق العرض والطلب. فهل يستطيع «المركزي» تحقيق هذا الهدف ليكون أول خطوة إصلاحية من سلسلة مطالب صندوق النقد؟
وفي سياق تأكيد قدرة مصرف لبنان على الإمساك بحركة التداول النقدي، يقول سلامة: «لدى المركزي حالياً موجودات خارجية بقيمة 10.3 مليار دولار، يمكنه التصرف بها، وسيكون بالمرصاد لمواجهة المضاربين، ويمكننا استعادة الكتلة النقدية بالليرة مهما بلغت، والأسواق تعرف ماذا يحصل إذا قررنا طرح مليار دولار لتجفيف السوق من الليرات».
ومع الاعتراف بقدرة حاكم مصرف لبنان (ولو المحدودة) إن أراد، وكذلك الاعتراف بـ «فوضى الدولرة الشاملة» التي أصبحت تتجاوز 90%. وإذا كان لابد من استمرار«الدولرة»، فينبغي على الأقل إدارتها وتنظيمها، والعمل على تجنب مخاطرها التي يستغلها التجار والمضاربون.
لا شك في أن لبنان الذي يعتمد نظام سعر الصرف «العائم» في اقتصاد استهلاكي، وفي إطار اتفاق سياسي دولي وبوصاية خارجية وإقليمية، قد تخلى عن سيادته النقدية التي أصبحت متعلقة بسياسات «دول المركز الرأسمالي»، وخصوصاً الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. لكن تبقى المشكلة الحقيقية كامنةً في بنية النظام النقدي، ما يتطلب وقفَ سياسة تشجيع «الدولرة»، والتخلي تدريجياً عن نظام النقد «المزدوج»، لأنه لا يمكن أن تتعايش فيه عملة محلية ضعيفة مع عملة دولية قوية.