تضمن فوز الفريق المغربي على الفريق البلجيكي لكرة القدم والمصنف بين أقوى الفرق في العالم رسالة سياسيّة أيضاً. كانت رسالة لا بدّ من التوقف عندها بعدما احتفل المواطنون المقيمون في الأقاليم الصحراوية بالانتصار المغربي إسوة بالمواطنين الآخرين. أكّدوا بذلك مغربيّة الصحراء وأنّ قضيّة الصحراء ليست سوى قضيّة مفتعلة من ألفها إلى يائها. أكّد هؤلاء أيضاً أنّ لا مجال للمزايدة عليهم من طريق شعارات مبتذلة من نوع "حقّ تقرير المصير للشعوب"، وهي شعارات لا تستهدف سوى تحويل الصحراء المغربيّة إلى أرض محتلة تؤمّن للجزائر ممراً إلى المحيط الأطلسي لا أكثر.

عبّر المواطنون في مختلف أنحاء الأقاليم الصحراوية، بشكل عفوي، عن فرحة عارمة بما حقّقه الفريق المغربي في اطار دورة كأس العالم التي تستضيفها قطر. نزلوا بالآلاف إلى شوارع المدن والبلدات الصحراوية، أكان ذلك في العيون أو الداخلة أو السمارة من أجل تأكيد عمق الانتماء إلى المغرب وحقيقة هذا الانتماء الذي يترسّخ أكثر مع مرور كلّ يوم. ظهر ذلك بالصوت والصورة.

كانت مباراة في كرة القدم بين المغرب وبلجيكا مناسبة كي يظهر المواطنون في الأقاليم الصحراوية مدى تعلّقهم بالمغرب الذي أنقذهم من الوقوع في فخّ التحول إلى وقود بشرية في حرب استنزاف لا طائل منها.

يشنّ النظام الجزائري حرب الاستنزاف هذه على المغرب، من دون مبرّر، منذ خريف العام 1975 تاريخ استرجاع المغرب أقاليمه الصحراوية من المستعمر الإسباني بطريقة حضاريّة وسلمية في الوقت ذاته. لم يرفع المواطنون الذين شاركوا وقتذاك في "المسيرة الخضراء" سوى القرآن الكريم بغية التعبير عن إيمانهم بمغربيّة الصحراء بصفة كونها قضيّة وطنيّة مقدّسة.

تكفي نظرة إلى فيديو مصدره مدينة العيون عاصمة الصحراء المغربيّة، حيث نزل المواطنون إلى الشارع للتعبير عن فرحتهم، للتأكّد من أن ليس هناك ما يفرّق بين هذه المدينة والرباط والدار البيضاء وفاس ومكناس وطنجة وتطوان ووجدة... وصولاً إلى مراكش.

نعم، كانت هناك رسالة سياسية وليس مجرّد فوز في مباراة لكرة القدم في مسابقة عالميّة هي بين أهم الأحداث الرياضية التي تشهدها الكرة الأرضيّة مرّة كلّ أربع سنوات. جاءت الرسالة في وقت تمرّ على المغرب سنة صعبة في ضوء عدم هطول الأمطار. قد يتسبّب ذلك بموجة جفاف في غاية الخطورة في بلد زراعي يفرح المواطنون فيه فرحاً ليس بعده فرح لدى تساقط المطر. كذلك، يعاني المواطن المغربي هذه الأيّام من انعكاسات الحرب الأوكرانية التي تسببت بأزمة غذائية من جهة وأزمة طاقة من جهة أخرى. ارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً، كذلك سعر الوقود في بلد لا يمتلك سوى القليل من الثروات الطبيعيّة.

يعوّض المغرب عن ندرة الثروات الطبيعيّة بوجود ثروة الإنسان. هناك جهد دؤوب للملك محمّد السادس من أجل تطوير هذه الثروة ومن أجل جعل المغرب قادراً على الصمود في وجه الصعوبات التي يتعرّض لها. يعكس الإداء الذي حقّقه الفريق الوطني المغربي في المواجهة مع الفريق البلجيكي نجاح المملكة في تطوير ثروة الإنسان فيها على كلّ صعيد، بما في ذلك رياضياً.

يأتي ذلك في ظلّ سياسة متوازنة جعلت معظم العالم يدرك أن قضية مغربيّة الصحراء قضيّة حقّ. بل هي أيضاً قضيّة مواطنين يستأهلون العيش في وطن يعمل من أجل احتضانهم وليس إلى المتاجرة بهم كما يحصل في مخيمات تندوف في الأراضي الجزائرية.

تجاوز الأمر فوزاً في مباراة لكرة القدم أمام فريق من أقوى فرق العالم. جمعت بين اللاعبين المغاربة روح الانتماء إلى بلد يحترم شعبه ويحترم المواطنين فرداً فرداً. أليس محمّد السادس أوّل من حذّر في خطاب حديث له من أزمة مياه يمكن أن يتعرّض لها المغرب في ضوء التغيّرات المناخيّة؟ أليس هو من قدّم اقتراحات عملية لمواجهة هذه الأزمة والنتائج التي يحتمل أن تترتب عليها؟ في خطابه وقتذاك، ركز العاهل المغربي على موضوعين فقط هما المياه وكيفية جذب الاستثمارات الأجنبية.

إذا كان من درس يمكن استخلاصه من ردّ فعل المواطنين المغاربة بعد فوز فريقهم على بلجيكا، فإن هذا الدرس يتلخص بنقطتين. تتعلّق النقطة الأولى بمدى تعلق المواطن المغربي المقيم والمغترب بوطنه. هناك بالفعل روح وطنيّة مغربيّة حقيقيّة تظهر في مواجهة الصعوبات، كما حصل في مرحلة مواجهة جائحة "كوفيد – 19" وآثارها. تظهر هذه الروح أيضاً عندما يكون هناك ما يثير الفرح ويعوض عن غياب الأمطار.

أمّا النقطة الثانيّة فهي تتعلّق بطي صفحة مغربيّة الصحراء. وهذا ما اقتنعت به الدول العربيّة التي تمتلك حداً أدنى من المنطق ودول أوروبيّة عدة، إضافة إلى الولايات المتحدة.

مثلما كشفت كلّ انتخابات أجريت أخيراً في المغرب أن نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع في الأقاليم الصحراويّة كانت الأعلى بين المحافظات، كشف فوز المغرب على بلجيكا أنّ مواطني الأقاليم الصحراوية لا يقلون حماسة لبلدهم ولكلّ نجاح يتحقّق عن أي مواطن آخر...