عقب الانتخابات النيابية والبلدية للدورة الانتخابية الحالية 2022 التي جرت في أجواء مليئة بالتفاؤل والإصرار على إحداث تغيير طموح للحصول على مجلس نيابي أكثر كفاءة من المجلس السابق الذي خلّف إحباطًا وانكسارًا لدى المواطنين، فإن هناك كثيرا من التغييرات الإيجابية التي يمكننا تلمسها لمس اليد. جوهر هذه التغييرات أن المجتمع البحريني قد خطا خطوات عملاقة في سبيل التطوير والتحديث الشاملين في غضون العشرين عامًا الماضية التي ذهبت بمحمولاتها الإيجابية والسلبية، وقد انطلقت هذه المسيرة المظفرة ذات ربيع بحريني خط فيه جلالة الملك المعظم رؤيته التنويرية لمجتمع بحريني ديمقراطي حداثي يعتز بأصالته ويتطلع أبدًا إلى أن يكون ضمن نادي الدول الرائدة.

راكم المجتمع البحريني في العقدين الماضيين التجارب حلوها ومرها ليستخلص الدروس من كل ما شهدته بلادنا من أوضاع وليتأكد أن البحرين وحدها تجمعنا، وأن مستقبل البحرين لا تمام له من دون دولة المواطنة والمؤسسات. وقد كانت الأربع السنوات الماضية التي فصلتنا عن انتخابات 2018 درسًا جديدًا من الدروس التي لقنها المجتمع البحريني، ففي هذه الفترة حدثت قفزات جوهرية كبيرة في المجتمع البحريني يمكن رصدها والحديث عنها بيقين؛ لأنها مقدمة لنهضة مجتمعية تقضي على ما ترسب في القاع الاجتماعي من سلوكيات محبطة وقيم بالية تعترض طريق التطور المدني لمملكة البحرين، دولة ومجتمعًا.

من جملة هذه التغييرات أن المواطنين صاروا، بعد الإحباطات التي راكمها المجلس السابق وسوء التقدير لديهم في إمكانات الديمقراطية لتوفير واقع أفضل، على وعي تام بأهمية الانتخابات وضرورة المشاركة فيها لتقرير مصير البلاد إزاء التحولات المجتمعية والمتغيرات الإقليمية والدولية، وأكثر جديّة في إيصال ممثلين أكثر كفاءة من السابقين، ولهذا بلغت نسبة المشاركة في هذه الدورة الانتخابية 73 %، وهي نسبة كبيرة تعجز عن أن تصلها كثير من المجتمعات الأكثر عراقة في ممارسة عملية الانتخاب. ويمكننا في هذا الإطار أيضا ملاحظة التغيير الملحوظ في تأثر قطاعات المجتمع البحريني التي هيمنت ردحًا من الزمن في المشهد الاجتماعي البحريني بالفواعل السياسية والثقافية والفكرية المدنية، الإعلام والصحافة الوطنية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤسسات الأهلية، وأسهمت في ارتخاء سطوتها على المجتمع المكفولة بالإيمان المسيس الكاذب. فأن يصد المجتمع بأغلبيته الساحقة كل الدعوات التحريضية بمقاطعة الانتخابات، ترشحًا وانتخابًا، فهذا الامر في غاية الأهمية لمستقبل السلم الاجتماعي في المجتمع البحريني، وأن ينبري المواطنون في كل مناطق البحرين لمواجهة من أخذ على عاتقه نشر الدعايات السلبية لهو مبشر بأن من يتخذون من «المعارضة» صفة لهم لم يعد لهم تأثير في بيئتهم التي كانت يومًا ما حاضنة لهم، حتى يكون لهم تأثير في المجتمع ككل، وأنهم في طريقهم الطبيعي إلى الزوال.

لن استرسل في الحديث عن بعض جماعات «المعارضة»، فالحديث عنها يطول، ولكن، وللعلم فحسب، عزيزي القارئ، فإن كثيرًا من هذه الجماعات التي ترفع لواء «المعارضة»، وأقصد تلك المكونة من مجموعات طائفية مذهبية مبعثرة في كيانات قزمية واختارت الخارج مقرًا لها لتمطر المجتمع بالنصح «الثوري» البائس، لن تدرك مقاصدها ولن تنال من وحدة المجتمع البحريني وتماسكه، ولعل بلوغ نتيجة الانتخابات الأخيرة هذه النسبة العالية أحد المؤشرات الدالة على أفولهم وتراجعهم وإفلاسهم شكلاً ومضمونًا.

نعود إلى صلب موضوعنا ونقول إن من يقرأ نتائج الانتخابات يكون لديه جلاء في الرؤية بأن الناخبين قد أوصلوا ثماني نساء من مجموع 369 مترشحة تقدمن لترشيح أنفسهن ليمثلن المواطنين، وهذا، بلا شك، ينم وبشكل جلي عن زيادة في وعي الناخبين وتغير في منظومة القيم التي كانت حاكمة في فترات انتخابية سابقة. فالذكورية لم تعد مقياسًا أوحد للتمثيل في البرلمان، وتمكين المرأة بات خيارًا استراتيجيًا يشق طريقه ليقيم في الذاكرة الجمعية عنصرا وازنا في الحراك الاجتماعي. لكن، هل يأخذ هذا الوعي الناضج مساره التصاعدي؟ لا ندري ولكن على المرأة من خلال المؤسسات الدستورية والأهلية أن تجتهد لتنمية هذا الوعي، وعلى الرجل ألا يبخل بالدعم والمؤازرة.

لكن يبقى التغيير المطلوب هو إذا ما كنا قد تمكنا من انتخاب نواب على قدر من الكفاءة والخبرة والدراية ليتمكنوا من إحداث تغيير في رؤية الناس للديمقراطية التي لا ننكر أن إيمان بعض الناس بجدواها قد تراجع بسبب خيبات الأمل الانتخابية السابقة التي لم تُبق في ذاكرة المواطن العادي إلا ما راكمه النواب من امتيازات مادية لم يكونوا أهلاً لها في نظر الناخبين الذين لم يفوتوا الفرصة ليعاقبوهم ويقصوهم بصندوق الاقتراع من المشهد النيابي إقصاء نراه درسًا بالغ الأهمية للنواب الجدد حنى يكونوا في مستوى الأمانة التي حملتهم إلى قبة البرلمان.

كل ما نرجوه أن يعود للديمقراطية والإيمان بها الألق الذي يثبت دعائمها نهجًا للدولة والمجتمع. لن نستدل على ذلك إلا بعد بدء ممارسة النواب الجدد عملهم التشريعي. ومن المؤكد أن هذا التغيير سيتراكم مع الوقت بقدرة النواب الكرام على إصدار التشريعات القاضية بتحسين مستويات المواطنين المعيشية، والحفاظ على التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. إنها معادلة دقيقة بطبيعة الحال. وأن قدرات النواب الجدد وكفاءتهم سيتم الكشف عنها عندما يتم الخوض في كثير من الملفات التي بتت فيها المجالس السابقة ولم توفق في اتخاذ ما يمكن أن يعود بالنفع على المواطنين. وإن غدًا لناظره غريب.