قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عاد المنتخب السعودي إلى العاصمة الرياض، مودعاً كأس العالم 2022، بعدما فاز على الأرجنتين وخسر من بولندا والمكسيك؛ إلا أن هنالك أثراً كبيراً حصل يتجاوز الرياضة، وهو الدور الذي مارسه الإنسان السعودي، ليس دعماً لمنتخبه الوطني وحسب، بل تقديمه صورة غير تقليدية عن ذاته ودولته، من خلال الحضور الكثيف للمشجعين في دولة قطر، والذي لم يقتصر على الشباب من محبي كرة القدم، وإنما شمل الفتيات وكبار السن والأطفال، في ما يشبه الهبة الوطنية مساندة لـ"الصقور"!

هذه "الروح الوطنية" جعلت السعوديين يقدمون دولتهم الى مختلف الجنسيات التي حضرت في الدوحة، بطريقة بسيطة، تلقائية، عفوية، من دون أي عقد.

رأينا العديد من السعوديين جنباً إلى جنب مع المكسيكيين والأرجنتينيين والقطريين والمغاربة والتوانسة، وحتى الإيرانيين؛ متجاوزين اختلافات العرق والدين والسياسة والثقافة، ومندمجين من دون عقدٍ أو أحكام مسبقة أو توجسٍ من الآخر.

لقد أشاع السعوديون روح الدعابة والنكتة، حتى انتقلت تلك "القفشات" إلى المشجعين الآخرين، فرأينا الأرجنتينيين وسواهم يقلدون السعوديين في بحثهم عن ليونيل ميسي؛ وتتناسخ آلاف الفيديوات بلغات مختلفة، يبتكرها أصحابها، فتارة يبحثون عن سالم الدوسري، وأخرى عن روبرت ليفاندوفسكي، وثالثة عن المنتخب المكسيكي... وسواها.

هذه القوة في إيصال الدعابة السعودية الى بيئات ليست على تقاطع مع الثقافة السعودية، تعتبر دليلاً على قدرة المواطن على التفاعل الإيجابي مع أقرانه من مواطني الدول المختلفة، وتسقط النظرة التعميمية التي روجها المتطرفون لسنوات طويلة من أن السعودي إنسان منكفئ على ذاته، رافض للآخر، كاره لمن يختلف معه في الدين واللغة، اذ أثبت مونديال 2022، أن العكس هو الصحيح، وأن السعوديين بشرٌ طبيعيون، مقبلون على المتعة والبهجة ويشاركون الآخرين أفراحهم.

صحيح أن ليس جميع السعوديين هم على شاكلة واحدة، وهذا أمر طبيعي في مختلف المجتمعات البشرية. إلا أنهم بالتأكيد وعندما رفعت عنهم وصايات رجال الدين والتيارات الأصولية، شاهدهم العالم كيف يقدمون ذواتهم من دون أقنعة وبكل فخر وثقة واحترام.

لقد كان السعودي مرآة حقيقية للتغيرات الكبرى التي تعيشها المملكة. وهو نتاج لسيرورة من التحولات الإصلاحية التي تجري على الأرض، ويشارك في إنجازها، إيماناً منه بأن السعودية، الدولة المدنية الحديثة، المتطلعة الى المستقبل المزدهر، هي الفضاء الحقيقي للإنجاز الذي لن يتحقق إلا بتعاضد الجميع وانخراطهم في رؤية المملكة 2030.

لقد راهن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على الشباب السعودي، حينما قال: "شبابنا واعٍ وقوي ومثقف ومبدع ولديه قيم عالية"، وعلى أن لديه الطموح الكبير، فـ"همّة الشعب السعودي مثل جبل طويق... لن تنكسر حتى يتساوى هذا الجبل مع الأرض".

إذن، هذا الرهان كان حافزاً للسعوديين، وجعلهم لا يستمتعون فقط بحضور مباريات المونديال وتشجيع منتخبهم الوطني، بل استغلوا ذلك للترويج الطبيعي والصادق لدولتهم، ودعوتهم الشباب من مختلف الجنسيات الى زيارتها والتعرف الى ثقافتها.

إن الرهان يجب أن يكون على الشعب السعودي، لا على شركات العلاقات العامة، ولا على لوبيات "تحسين الصورة"، لأن هذا الشعب هو الصورة الحقيقية لما يجري في المملكة من عملية إصلاح كبرى، وورشة اقتصادية وثقافية واسعة، من خلال علاقته الوثيقة بقيادته السياسية، وإيمانه برؤية 2030، وعزمه على أن تكون السعودية أوروبا الشرق.

الأسلوب التقليدي في الترويج لصورة الدولة، عبر الدعايات المدفوعة، هو منهج قديم، لا يؤتي ثماره، لأنه قائم على تقديم وجه يعتقد الكثيرون أنه وهمي أو مبالغ فيه ومصطنع. ولذا، فمشاركة المنتخب السعودي وجماهيره الواسعة في مونديال 2022، كانا درساً لنا جميعاً بأن الرهان يجب أن يكون على الشعب و"الرؤية" والإنجاز القائم على أرض الواقع، خصوصاً أن هنالك اهتماماً متزايداً بضرورة دفع الشباب الى المشاركة بفعالية في الحياة العامة، ومنذ سنوات خلت، حيث أكد الأمير محمد بن سلمان، العام 2016، أن "خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على اتصال مباشر مع كل ما يخص الشباب".

الكاتب السعودي محمد الساعد، وفي مقال نشرته صحيفة "عكاظ"، في 1 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، بعنوان "المواطن السعودي... أكبر قوة ناعمة"، أشار إلى أنه "خلال سنوات قليلة فقط اجتاح السعوديون بثقافتهم، وأسلوب حياتهم، وسلوكهم، وطرفهم وذائقتهم، وحتى بالنكات التي يتداولها العالم من بعدهم، ما حدث ليس جهود الوزارات المعنية بتحسين السمعة، ولا مؤسسات يفترض أن تعمل ليل نهار لبناء قوة ناعمة سعودية حول العالم، بل سلوك عفوي اجتاح بصدقه قلوب الآخرين وأثّر تأثيراً غير مكلف بالمرة".

هذه المسيرة التي تحدث عنها الساعد، يجب أن تستمر، وأن توفر مساحات إبداعية أكبر للشباب، وأن يمنحوا الثقة والحرية في التجريب واجتراح المشاريع وتقديم الأفكار والمقترحات المتنوعة، وتشجيع النقاشات النقدية في ما بينهم، لأنهم بذلك يبنون ثقافة جديدة، وأسلوب حياة مختلفاً عن الأنماط القديمة الجامدة، وهو ما سيدفع المزيد من الجيل الجديد إلى مراتب متقدمة من الوعي والابتكار وتحمل المسؤولية.