نادرة هي المجتمعات والدول التي تتمكن من بناء دولة المؤسسات في أوقات قياسية، مقارنة مع حجم الإنجازات المقدمة لمواطنيها. ومن بين هذه الدول، دولة الإمارات التي أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في عام 1971، في ظروف إقليمية ودولية شهدت الكثير من التحولات، وصولاً إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أكمل مسيرة البناء والصعود إلى مستويات غير مسبوقة عربياً وخليجياً.

في العام الماضي احتفلت الإمارات بعيد الاتحاد في يوبيله الذهبي وسط إنجازات نوعية رفيعة المستوى على الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وحققت ما وُصف بمعجزة النقلات النوعية. خمسون عاماً من البناء في ظل تحديات إقليمية ودولية كثيرة وكبيرة، لكن بناء المؤسسات والإنسان كان مساراً مستداماً ذا تصميم «رؤيوي» استراتيجي، دعَمَه ثبات الاستراتيجيات التنموية التي اتسمت بالشمولية واحتواء الواقع والبناء عليه، ومواجهة الصعاب بروح التصميم والمواجهة بالقدرات النوعية.
في نصف قرن من الزمن بنى المغفور له المؤسس ومن تابع خطاه، اتحاداً وسط جغرافيا سياسية اتسمت بالحساسية، تمكنت الإمارات من تجاوزها بحنكة سياسييها، وبنت شبكة أمان إقليمي ودولي يُشهد لها، ولم تكتف بذلك؛ بل بَنَتْ جسور الثقة والحلول لقضايا كبرى لها من العمر عقود من الزمن، ووفّقت في علاقاتها وسياساتها ببناء مجتمع مؤسساتي متماسك في الداخل، ومنفتح بوعي في الخارج، وأطلقت مبادرات وشاركت في فعاليات ذات وزن إقليمي ودولي بُنيت عليها سياسات ومشاريع لامعة، وحجزت من خلالها موقعاً ريادياً وازناً في السياسات التكاملية العربية والإقليمية والدولية، جعلت من دولة «الخمسين عاماً» دولة تُحتذى برؤاها واستراتيجياتها.
وأطلقت دولة الإمارات مجتمع السعادة، وحققت من خلاله مجتمعاً طليعياً بين دول العالم، لا سيما وأن متطلبات هذه الرؤى باتت واقعاً في زمن قياسي، وفي ظروف إقليمية ودولية ضاغطة جداً، بحيث بدا المجتمع الإماراتي كضوء أمل وسط عتمة عانت فيها الدول والمجتمعات الكثير من تحديات الأوبئة والأمراض والانهيارات الاقتصادية، بينما بدت الإمارات تشق طريقها نحو القمم بثبات وتصميم، وصولاً إلى مواقع ذات بُعد يوصف بالمعجزة.
ووسط تلك المتابعات الفارقة، اهتمت الإمارات بالمسارات العلمية والأكاديمية وبنت إنجازات ذات طبيعة عالية النوعية، فدخلت عالم الفضاء بثقة علمية عالية توّجها الشباب المتسلح بقدرات علمية نوعية، فانضمت إلى مجتمع الدول الفضائية وأوصلت «مسبار الأمل» إلى المريخ بقدرات علمية إماراتية خالصة، وبنت لبنة صلبة لمزيد من استكشاف الفضاء، وأنجزت مشروع الوصول إلى القمر، تلك الإنجازات النوعية المحققة رسّخت صورة الدولة المصممة على ريادة المواقع المتقدمة بين الدول ذات الإمكانات العلمية والتي تتطلب جهوداً ومسارات خاصة ليست متاحة لعامة الدول.
ومؤخراً، شاركت الإمارات برئاسة صاحب السمو رئيس الدولة، في فعاليات مؤتمر «كوب 27» العالمي حول المناخ في شرم الشيخ. وإيماناً بقدرات الإمارات النوعية، ستستضيف الدولة مؤتمر «كوب 28» حول تبنّي حلول لتحديات قضايا المناخ العالمي وعمرها عقود من الزمن، إيماناً بقدرات ورؤى الإمارات بقيادة المشاريع الدولية التي تتطلب إمكانات وقدرات متميزة تتوفر في دولة الإمارات وبكفاءة وفاعلية عالية.
احتفلت الإمارات بعيد الاتحاد الواحد والخمسين مؤزراً بصور وإنجازات مؤسسيها وقياداتها وشعبها المتسامح، وسط تصميم على المضي في مسيرة التقدم والعطاء المجتمعي المحلي والإقليمي والدولي، حيث الإمارات التي تشغل مواقع ريادية مؤثرة في الأمم المتحدة، وبخاصة مجلس الأمن وفي العديد من الوكالات التنموية الدولية.