ليس العنصري المتطرف إيتمار بن غفير زعيم "القوة اليهودية" الوارث لحركة "كاخ" الممنوعة بزعامة الحاخام كهانا سوى بنيامين نتنياهو الحقيقي بلا قناع.

كذلك بتسلئيل سموتريتش زعيم "الصهيونية الدينية" وآفي ماعوز زعيم "نوعام" وأرييه درعي زعيم "شاس" المحكوم بالحبس مع وقف التنفيذ في دعوى فساد.

هؤلاء هم أركان حكومة نتنياهو الخاضع للمحاكمة بتهم "تلقي الرشى وإساءة الأمانة".

وزير الأمن القومي ووزير المال والوزير المشرف على التعليم والوزير المكلف شؤون الهوية اليهودية في مكتب رئيس الوزراء وسواهم في سلطة تجاوزت كل ما كان في إسرائيل، وخاض أركانها الانتخابات تحت شعار "لا دولة فلسطينية"، حين صارت أميركا وروسيا وأوروبا في حاجة أكبر إلى إسرائيل بسبب مضاعفات حرب أوكرانيا.

وعندما لم تعد إسرائيل واحدة في عيون العرب المنقسمين بين قلة لا تزال نظرياً في حال عداء مع الدولة العبرية وبين كثرة وقعت معاهدات سلام معها من دون أن يكون لها دور أصلاً في الحروب العربية مع إسرائيل.

ولا حدود للتحديات أمام الفلسطينيين التي تتجاوز التحديات على مدى مئة عام، إسرائيل اليوم مختلفة عن إسرائيل التي أسسها ديفيد بن غوريون وحكمها تلاميذه من بعده حتى ربح الانتخابات للمرة الأولى عام 1977 مناحيم بيغن زعيم "حيروت" الذي صار تكتل "الليكود" بمساعي الجنرال شارون.

والفلسطينيون، سواء في السلطة بقيادة "فتح" أو في "حماس" و"الجهاد" في غزة أو في الفصائل المنضوية بمنظمة التحرير يحتاجون إلى خطة جديدة لمواجهة إسرائيل المختلفة وتحدياتها.

فما يخطط له نتنياهو هو تقليد ما خطط له بن غوريون بدعم أميركي وفرنسي وبريطاني، بن غوريون الذي قاد دولة خاضعة لمقاطعة عربية شاملة والمحوطة بما سميت "دول الطوق" العسكري، مصر والأردن وسوريا ولبنان، سعى إلى ما سمي محاصرة الحصار، تطويق الطوق العربي حول إسرائيل بطوق إقليمي أوسع يضم تركيا وإيران وباكستان وإثيوبيا، حيث "حلف السنتو".

ونتنياهو يخطط لتطويق الفلسطينيين بالدول العربية والاتفاقات معها، كيف؟ بالعمل من أجل "مزيد من اتفاقات أبراهام وإنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي، ثم الالتفات إلى الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي الذي ليس أولوية ولن يكون مستقلاً بل ضمن حل واسع مع العرب".

لا بد من استمرار التمسك بحل الدولتين، لكن دعوة أميركا أو الرباعية الدولية أو مجلس الأمن إلى معاودة الإشراف على المفاوضات والعمل الدبلوماسي هي تكرار لتمارين في العبث.

كذلك تكرار دعوة "المجتمع الدولي" إلى "تحمل مسؤولياته" في حماية الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للعنف الإسرائيلي، فلن يحمي الشعب الفلسطيني إلا الشعب الفلسطيني، ولا حماية إلا بمقاومة من نوع مختلف عن التجارب السابقة، سواء عبر الأردن أو عبر لبنان أو في الداخل عبر صواريخ "حماس" و"الجهاد".

ما يحدث الآن في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر هو بداية مقاومة مختلفة تحتاج إلى خطة مرنة كما إلى قيادة، لا تبني آمالها على "اتفاق أوسلو" الذي خرقته إسرائيل، ولا على صواريخ إيران التي لن تأتي إلا إذا قصفت إسرائيل إيران نفسها، ولا تخدع نفسها بعودة الدول العربية لمحاربة إسرائيل.

وفي الأصل، فإن أكبر خطأ بالمسار الفلسطيني كان تقليل الدور الفلسطيني وتكبير الدور العربي، ثم ارتباط فصائل المقاومة بالأنظمة العربية بداعي توظيف القوة العربية في خدمة المقاومة في حين عملت الأنظمة العربية على توظيف المقاومة لمصالحها هي.

ومن الصعب على إسرائيل تحمل مقاومة ذكية تضرب في العمق من دون بهورة البيانات خلال الأيام الماضية، ومن الأمور الخطرة عليها إعادة احتلال غزة وكل الضفة، والأخطر هو الديموغرافيا في حال الإصرار على ضم كل أرض فلسطين.

ومن الوهم ما يفكر فيه بن غفير وسموتريتش بترحيل الفلسطينيين، فلن يتكرر ما حدث عام 1948 بعدما تعلم الفلسطينيون الدرس وكشفوا عن نقاط الضعف في إسرائيل ولدى الجندي الإسرائيلي.