قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في الرابع من ديسمبر الجاري أوضحت دارة الملك عبدالعزيز أمراً مهماً، وقالت بوجود وثائق تاريخية مزورة يتم عرضها للبيع، وتخص علاقة المملكة بدولة عربية، وحذرت المؤسسات وآحاد الناس من التورط في شرائها، مع التأكيد على أن تداولها غير قانوني ومخالف للأنظمة الإقليمية والدولية، ولم تشر الدارة إلى طبيعة هذه الوثائق ومحتواها، رغم أنها -كما كشفت- تجاوزت دائرة السرية والتكتم، والدليل عدم ممانعتها في مناقشة الموضوع عن طريق التواصل المباشر، وهذا التلغيز المبالغ فيه يطرح علامات استفهام كثيرة، فالوثائق المزورة عن الدولة السعودية ليست جديدة، واكتشاف تزويرها ليس صعباً، ومن أمثلتها، تلفيقات التنازل عن فلسطين التي روجها اليساريون العرب في الستينات الميلادية، وأعاد الإيرانيون التذكير بها في 1987 بعد حادثة مكة، ومن ثم استرجعت بعد حرب تحرير الكويت في 1991، والوثيقة في الأصل كانت مختلفة في محتواها، وتخص ضابطا تركيا من جماعة تعرف بالاتحاد، وقد قام يساري من عرب الشمال بتحريفها وسعودتها.

دارة الملك عبدالعزيز لديها أكثر من خمسة ملايين وثيقة، وخمسة آلاف وسبع مئة مخطوطة، وكلاهما أصلي، بالاضافة إلى ما يزيد على مئة وعشرين ألف كتاب، ومعه مئتان وخمسون ألف صورة فوتوغرافية، وما يصل إلى نحو ستة آلاف رواية شفوية مقروءة ومسموعة، ولديها وثائق مقيدة بالاطلاع الحضوري وحده، تحييداً لاحتمالات تأثيرها على السلم الاجتماعي، وأنتجت بالشراكة مع منصة ميركوت مسلسل (يعرب) الكارتوني في 12 حلقة، وقد نجح بصورة كبيرة، وحقق مشاهدات مليونية على يوتيوب، وتفكر في التحول إلى الأعمال السينمائية والدرامية، وبطريقة احترافية تعتمد على المصادر التاريخية الموثوقة، والتاريخ والتراث يمثلان محورا من محاور رؤية 2030، ما يعني أن الدارة وكل المؤسسات والهيئات المختصة بهما، موجودة وحاضرة في كل مشاريع الدولة الحالية، والدارة تعتبر حديثة بالنظر لعمرها فقد بدأت في 1972، مقارنة بالدور التاريخية القديمة، ومن أبرزها، البدايات الفرنسية في 1796 والبريطانية في 1838 والعثمانية في 1910 والأميركية في 1933.

الاستعمار العثماني استمر في الخليج قرابة ست مئة عام، وفي المقابل لم يعمر الاستعمار البريطاني أكثر من مئتي عام، إلا أن الأرشيف الغربي عموما أقل تحيزاً ومصداقيته معقولة، ويكفي حتى نقيم موثوقية العثمانيين، أن نقف على محاولة تتريك المدينة المنورة في عام 1916، المعروفة بـ(سفربرلك) ومصادرة أموال أهلها، وترحيلهم قسراً إلى الشام واسطنبول، والذي لم تتناوله المراسلات والوثائق العثمانية أو تتكلم عنه إلا تلميحاً، وكأنه من الأمور الجانبية معدومة القيمة.

علاوة على انقطاع توثيق الأحداث لمدة مئة عام، وتحديدا بمجرد قيام محمد الفاتح بفتح القسطنطينية في 1453، وكأنها محاولة لإخفاء وقائع حدثت أو ستحدث، والكلام الأخير قاله مؤرخ تركي اسمه البير اورتاغي، وفي عام 1930 تعرض الأرشيف لعمليات نهب من قبل السلطات الرسمية نفسها، بعد الانقلاب على السلطان عبدالحميد الثاني، وبيعت مجموعة ضخمة من وثائقه على بلغاريا وبعض دول البلقان، وعلى الناس العاديين لاستخدامها في لف الأطعمة، قبل أن يتدخل المؤرخون الأتراك ويوقفون ذلك، وتبدو أهمية هذا الأرشيف في الإخباريات والإحصاءات والأنشطة السياسية للإنجليز والروس والفرنسيين في المنطقة، ودارة الملك عبدالعزيز، سبق وأن حصلت على وثائق من الأرشيف العثماني.

الوثائق الصادقة والمحايدة، تعتبر من المصادر الأساسية لتاريخ الدول، ومن خلالها يمكن التعرف على أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فترة زمنية محددة، وكذلك الوقوف على أحوال الناس وتعاملاتهم، وأساليبهم في إثبات الحقوق الشخصية، بخلاف أنها تفيد في إثبات الحدود المتفق عليها بين الدول، وتصنف الوثائق الكنسية باعتبارها من أهم ما ورثته أوروبا من العصور الوسطى، لأن الكنائس بوصفها دور عبادة، كانت بعيدة عن تقلبات الحروب وعمليات السلب والنهب، وفائدتها في تلك الأيام حصرت في جوانب عملية، كإثبات حقوق الملوك الأوروبيين في الملك، ويوجد منهجان لدراسة التاريخ، الأول ألماني يهتم بالحفريات والنقوش والأدوات، والثاني إنجليزي فرنسي يركز على الكتابات القديمة كالمسمارية والهيروغليفية، ويرى أن دخول الشعوب إلى التاريخ يبدأ بتعلمهم الكتابة.

بالتأكيد تزوير الوثائق يحدث لجملة من الأسباب، أهمها، التزوير لأغراض أو أهداف سياسية، أو التزوير لدوافع طائفية أو تاريخية، أو التزوير لتحقيق منافع اقتصادية، وغياب الإطار الجامع لمجهودات تسجيل الذاكرة السعودية وتاريخ الجزيرة العربية يشجع على ذلك، ولعل الحلول لا تفيد إلا بتوحيد جهود دارة الملك عبدالعزيز والمركز الوطني للوثائق والمحفوظات، ومعهما هيئة التراث السعودية، ومكتبتا الملك فهد الوطنية والملك عبدالعزيز العامة، وتأسيس أرشيف وطني سعودي تشارك فيه الكفاءات القادرة، وأيضاً كل الأجهزة والوزارات المعنية مجتمعة، إلى جانب جهاز أمن الدول والأنتربول، وبما يحقق حماية كافية للوثائق بأنواعها، ويقود بالتالي إلى خدمة التراث والتاريخ السعودي والجزيري بشكل مناسب، ويوصل الحقيقة السعودية والعربية إلى كل العالم بلغاته الحية.