قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كان السياسيّون اللبنانيّون مقتنعين بأنّ ملف الانتخابات الرئاسيّة ستكون له الأولويّة في زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، تلبية لدعوة نظيره الأميركي، جو بايدن.

ظنّ هؤلاء أنّ لهم مكانًا في جدول أعمال الكبار المزدحم بتضحيات جسام يقدمها الشعب الأوكراني بقيادة فولوديمير زيلينسكي والشعب الإيراني تحت راية مهسا أميني، وأحوال الشعوب الأوروبيّة والأميركيّة بسبب انعكاسات القوانين الحمائية التي تفرضها المنافسة مع الصين، وقد يكون بعض هؤلاء السياسيّين اللبنانيّين قد ذهب الى أبعد من ذلك في توهماته فانتظر أن تختاره مجلّة "تايم" الأميركيّة شخصيّة العام 2022!

وما إن انفضت أعمال القمة الأميركيّة الفرنسيّة حتى اكتشف الجميع أنّ لبنان كان، بشقه الغازي، مدرج في البيان الختامي ليس على أساس أنّه "إنجاز أميركي بمساهمة فرنسيّة" فحسب بل على قاعدة إفهام الزعيم الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ المسّ به، وفق شعاراته الانتخابيّة، خط أحمر غربي، أيضًا.

وكانت المفاجأة أنّ الرئيس الفرنسي، عندما عاد الى بلاده، أوحى من خلال كلام صدر عن أقرب المستشارين إليه، أنّ موضوع لبنان ليس ملحًّا، في وقت كانت عاصفة إعلاميّة أميركيّة وأوروبيّة تهب عليه، بسبب قوله إنّه لا بد من تقديم ضمانات الى روسيا، في حال وافقت على الجلوس الى طاولة المفاوضات من أجل وقف الحرب على أوكرانيا. لقد اعتبر الجميع أنّ ماكرون الذي يخطط للإتصال بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، قد فقد البوصلة، فهو بدل أن يأخذ من روسيا المعتدية ضمانات لمصلحة أوكرانيا والدول الأوروبيّة يريد أن يقدّمها لها.

ولعلّ نهج ماكرون الذي يقوم على أخذ مصالح الطرف المعتدي بالاعتبار، هو الذي كان قد دفع بالسياسيّين اللبنانيّين إلى أن يأملوا بأن يتمكّن الرئيس الفرنسي من إدراج الملف الرئاسي اللبناني في جدول أعمال القمة الفرنسيّة-الأميركيّة، لأنّ "حزب الله" في لبنان وخلفه ايران في المنطقة، يريدان ثمنًا لإنهاء الشغور، ويعتقدان بأنّ باريس، في حال حصلت على دعم واشنطن، يمكنها أن تحقق لهما الانتصار المرجو!

ولكنّ الزمن، أقلّه في هذه المرحلة، قد تغيّر، فلا الولايات المتحدة الأميركيّة ولا فرنسا ولا أيّة دولة أخرى مؤثّرة، يمكنها أن تهب "حزب الله" وإيران ما تريدانه، ليس لعجزهما عن ذلك، بل لأنّه، في قناعة الجميع، لا يوجد أيّ طرف في لبنان يمكنه أن يستفيد من أيّ "تسوية" محتملة، من أجل إعلاء شأن الدولة، إذ سبق أن جرى اختبار الجميع، في السنوات القليلة الماضيّة، فتبيّن أنّ هؤلاء يستغلّون أيّ تطوّر من أجل مصالحهم الحزبية والفئويّة والشخصيّة لا غير.

والحكومة اللبنانيّة المستمرة بفعل الأمر الواقع ويترأّسها نجيب ميقاتي الذي كانت باريس قد احتضنته، لم تتشكل بنتيجة تفاهم لبناني- لبناني بل كانت وليدة "صفقة" عقدتها إدارة ماكرون مع النظام الإيراني، لكنّ هذه الحكومة، بفعل طبيعة المكوّنات السياسيّة اللبنانيّة، بدل أن تقدّم للدولة والشعب ما يجب أن تقدّمه، مقابل الأثمان التي قبضها "حزب الله" وإيران، دخلت في خصومات "تحاصصيّة"، ممّا جعلها تعجز عن القيام بأتفه الخطوات، كتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء الذي ينتظره البنك الدولي لتمويل تزويد لبنان بالغاز المصري والكهرباء الأردنيّة، وكتوفير الظروف الملائمة لملء مرحلة الشغور الرئاسي، بحكومة متجانسة ومكتملة الصلاحيات.

ولم تمر دفعة العقوبات الجديدة التي أنزلتها وزارة الخزانة الأميركيّة، بحق مجموعة داعمة ل"حزب الله"، بالتزامن مع القمة الفرنسيّة الأميركيّة، مرور الكرام. لقد كانت رسالة واضحة الى الجميع بأنّ الزمن ليس للصفقات بل للمحاسبة والمواجهة.

ومنذ انتهت هذه القمة إلى ما انتهت إليه، حتى تراجع مستوى التفاؤل بمخرج قريب للانتخابات الرئاسيّة. الإحباط لم يصب الأطراف المتلهّفة إلى صفقة، فحسب بل ضرب أيضًا، البعثات الدبلوماسيّة، بحيث راح سفراء عرب كانوا قد نشطوا على الخط الرئاسي يبلغون جميع من يراجعونهم بأنّ هذا الملف مرجأ حتى إشعار آخر!

وعليه لقد تبلّغ كبار اللاعبين السياسيّين في لبنان الرسالة: لا صفقة في الأفق، وبالتالي لا تسوية رئاسيّة بشفاعة الخارج، ولا رعاية ولا مساعدات ولا مال!

ولكن هذه الصدمة، إلّا إذا حصلت معجزة، لن تهزّ الضمائر في لبنان، على الرغم من أنّها سوف ترفع الكلفة الباهظة على الدولة وعلى اللبنانيّين في آن، فالمشكلة الأساسيّة في لبنان تكمن في أنّ الطرف الممسك بالتعطيل، أي "حزب الله" لديه مهمة واحدة لا غير: إبقاء لبنان في الموقع الجيو سياسي الذي وضعه فيه في السنوات الست الأخيرة، أي في "العمق الإستراتيجي" للنظام الإيراني.

ومخطط "حزب الله" يستحيل أن يحظى، في هذه الظروف، بتوافق داخلي، لأنّ تحرير لبنان من سطوة الأجندة الإيرانيّة أصبح في نظر قوّة وازنة في البلاد، بمثابة الطريق الوحيد لإخراج لبنان من الجحيم الذي وقع فيه، ولذلك فهذا الحزب لا يأبه بأخذ البلاد إلى مزيد من الإهتراء، طالما أنّ ذلك يوفّر مصلحة مرجعيته الوحيدة: إيران!