قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نواجه مجموعة من التحديات المعاصرة الموجهة مباشرة إلى وجود الهوية العربية والإسلامية، خصوصاً على مستوى العمارة، ويتفق الكثيرون على أن هذه التحديات أصبحت وجودية، فليس الأمر فقط مرتبطاً بخلق هوية بصرية غير صادقة، كما يفعله الكثيرون في العقود الأخيرة بعد أن فقدوا الحيلة في إعادة الاتزان للمجتمعات العربية والإسلامية من خلال تحريك بواعث التنمية، بل لكون الهوية غائبة على المستوى الفلسفي الشمولي، فتحولت إلى هويات متشرذمة سطحية تفتقر إلى مسببات الوجود، وبالتالي لم تستطع أن تحافظ على كينونتها المرتبطة بوسائل الإنتاج، فهي هويات جاهزة مكتملة مستعارة من الماضي، تفتقر إلى الروح التي تبقيها على قيد الحياة لأنها لم تخض تجربة الإنتاج المعاصر إلا بشكل جزئي مبتور، وبذلك هي تفتقر إلى الارتباط بسياقها الزمني وفروضه التقنية والاجتماعية والثقافية.. إذاً أزمة الهوية العربية/ الإسلامية تتضخم مع مرور الوقت ومع قلة الحيلة التي باتت سمة المثقفين والمعمارين والأكاديميين وغيرهم في هذه المنطقة في العالم.

يمكن أن نطرح مجموعة من الأفكار حول العمارة العربية المعاصرة، كمثال يمكن أن يعبر عن هوية الثقافة ومضامينها المتعددة وانعكاس ذلك على مظاهر الحياة وعلى مستوى الثقة في النفس لدى المواطن العربي. مع إثارة أسئلة جوهرية حول العلاقة الوجودية بين الهوية والعمارة في الحضارة العربية/ الإسلامية سوف نصطدم بتجربة معاصرة ضحلة وسطحية، تفتقر لكل مقومات الوجود. على أن فكرة الهوية التي نتناولها هنا واسعة، ولا تتوقف عند أي صور ماضوية قد تكون مختمرة في الذهن، بل تتجه جميع الأفكار إلى أسباب ومحفزات وجود الهوية العفوية التي يفترض أن تتولد دون قصد، فكيف يمكن أن نخلق هذه الأسباب التي يفترض أن تقود إلى إنتاج عمارة مثلاً ملتحمة بهذه الأسباب وبالتالي تعبر عن هوية من أنتجها.

عند مراجعتنا للتجربة المعمارية في المنطقة العربية منذ مطلع القرن العشرين (أكثر من 120 عاماً) سوف نجدها تجربة تتسم بالفقر الفكري والمهني الشديد. لقد وجدنا أن كل ما يتعلق بالعمارة المعاصرة مرتهن بما يصنعه ويُفكّر فيه الغرب، وأن مساهمتنا على مستوى "الأمة العربية والإسلامية" يكاد يكون مجرد ردود أفعال لمقاومة الشعور المتزايد بالتبعية، وغالباً ما تكون تلك الأفعال عاطفية وغير مكتملة مهنياً وتفتقر للترابط الفكري. إذاً نحن أمام أزمة حقيقية لا يمكن وضع حلول مباشرة لها، بل يجب أن نطور مختبراً فكرياً يخلق فضاء تجريبياً في العمارة بشكل عام. وبالتأكيد فإن ما ينطبق على العمارة ينطبق على كل المجالات الأخرى، وهو ما يشير بشكل حقيقي إلى تحديات تتصاعد باستمرار دون حلول على أرض الواقع.

تحدي الهوية المعاصر لا يتقاطع مع أي أفكار سابقة أثيرت حول ما يسمى "العمارة الإسلامية" أو "العمارة العربية"، وربما ينتقد هذه المصطلحات "المُقولبة" بشكل حاد، ويرى أننا بحاجة إلى أن نفكر بطريقة مغايرة للفكر السائد ويفتح جميع أبواب النقد لتحييد هذا الفكر المثخن بجروح التاريخ والمثقل بالأحكام المسبقة والتصورات الذهنية الجاهزة. من خلال قراءتنا لما يطرح حول "العمارة الإسلامية" وجدنا أن هذا المصطلح يقدم النتائج الجاهزة قبل إمعان التفكير ويبتعد بشدة عن التجديد ويتجه بشكل حاد إلى السكون والتكرار. ورأينا أن ربط العمارة والثقافة بشكل عام بالإرث التاريخي (كمصدر جوهري للهوية) يعني بشكل أو بآخر تكرار المشكلة الأزلية وهي النسخ واللصق وتغييب العقل والتفكير الحر والابتكار والتجديد. وهو ما يجعل من مهمة بناء إطار مختلف للتفكير حول ماهية "الهوية"، ليست بصفتها المادية البصرية فقط بل بكونها نتاجاً عفوياً لمجمل ما ينتج عن ممارسة الحياة بكل أبعادها الاجتماعية/ الثقافية والسياسية والاقتصادية والتقنية.. إلخ، مسألة أساسية يفترض أن تعيد آلية التفكير والتعليم إلى مسارها الطبيعي.

من الجدير بالذكر أن مصطلح "الأزمة" عادة ما يطلق على الحالات التي تواجه اهتزازاً مفاجئاً في سياقات الإنتاج المرتبطة بالتصورات الذهنية التي عادة ما ينتج عنها منتجات تشكيلية بصرية/ جمالية ويرتبط بشكل عميق بالآليات التقنية والتشغيلية بالإضافة إلى السياقات العامة التي تحكم الإنتاج بشكل عام. هذا يعني أن الهوية ليست فكرة تجريدية بل هي مرتبطة بجوهر الحياة وآليات الإنتاج اليومية التي تميز مجتمعاً عن آخر، سواء كان هذا الإنتاج فكرياً أو عمرانياً أو أي إنتاج. لذلك فإن اعتلال السياقات التي تؤثر على "هوية المنتج" دون تطوير حلول تصحيحية تتعامل مع الخلل، يخولنا أن نطلق مصطلح "الأزمة" على الهوية العربية المعاصرة.