إكتشفتْ دارسة جامعية مؤخراً، في إحدى المكتبات الجامعية الإنكليزية، أكثر من مئة رسالة مرسَلة منذ العام 1758، من دون أن تصل إلى أصحابها.

هي رسائل حب، في غالبها، مرسلة إلى جنود فرنسيين وقعوا في الاعتقال في غمار حرب إنكليزية - فرنسية.

هذا ما أقدمتْ عليه الباحثة بعد 265 عاماً على توجيه الرسائل،

وهي ما كانت لتُقدم على فتحها، وقراءتها في تلك السنوات البعيدة... ما دامت الملكية الفردية كانت تصونها، خصوصاً وأنها رسائل شخصية، حميمة.

هذا الخبر يُضاف إلى أخبار عديدة نقع عليها هنا وهناك، عن «رسائل» يصعب تخيل أنها لا تزال محفوظة. هذا ما تَحفل به كتب نقدية محققة عن «المراسلات» بين أدباء أو مع مغمورِين.

هذا ما ينصرف إليه غير كاتب أوروبي، بمن فيهم فلاسفة وشعراء،

إذ يَعهدون، إلى مؤسسات معنية بالمحفوظات، بمكتباتهم ورسائلهم وغيرها.

واللافت في هذا كله، هو أن بعض هؤلاء يسمحون بنشر الرسائل بعد خمسين سنة على وفاتهم، فلا يضر النشر بالتالي بأي ممن ورد ذكرهم أو أخبارهم في الرسائل.

في هذا كله، لا تعود رسالة البوح، أو الخصام، أو الشهادة، أو النميمة وغيرها شأناً خاصاً، بل شأناً قابلاً للنشر.

وهذا ينتظم وفق علاقة فردية بين الكاتب والكتابة، وهو الذي يتحكم بها. فالرسائل هي ما يتم حفظه في خفي المكتبات الخاصة، ولا سيما رسائل الحب، حتى إن بعض الأفلام تعرض علينا أخباراً ومشاهدات عن هذه الرسائل. منها أن الحبيبين يسترجعان رسائل الحب عندما ينقطع خيط الود بينهما. بل تُظهر التقاليد الفرنسية أن السيدة العاشقة كانت تحتفظ في «السكرتيرة» (وهو اسم هذا المكتب الصغير الخاص بها) بالرسائل الخاصة.

الفرد عينه، الذي يبيح لنفسه هذه العلاقات، وينظم تواردها بين طرفين، هو نفسه الذي يبيح لنفسه إشاعتها وذيوعها بعد وقت.

هذا ما تولعتُ به بدوري، عندما ترجمتُ رسائل عديدة لرامبو وأقاربه ومعارفه، أو للشاعر راينر ماريا ريلكه وغيرهما، بعد أن وجدتُ متعة خالصة- لا سيما في فتوتي الأدبية- في تتبع العلاقات الشفافة بين الأدب والحياة.

وهو ما استوقفَني بعد وقت إذ تحققتُ من أن رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران تبقى... يتيمة في الأدب العربي، وأن غادة السمان اكتفت- حتى الآن، ربما- بنشر رسائل حب موجهة إليها، من دون رسائلها هي إليهم أو غيرهم. فكيف إذاً أتحقق من أن أدباء عرباً مشهورين لا يقوون على نشر رسائلهم، أو لا يكتبون سِيَرهم، أو يمتنعون عن إتاحة مسودات قصائدهم لدارسِيهم...

هذا يلامس جوانب ومسائل عديدة تصيب الكاتب العربي بين اجتماعيته وفرديته، مثلما يمكن التحقق منها في ضعف أدب السيرة الذاتية، أو في تحويلها عربياً عن مقاصدها الأدبية.

وهو ما يَكشف مقادير امتثال هذا الأديب أو ذاك لضوابط مجتمعه، وقيمه الإجماعية، ما يثير أسئلة لازمة، وجذرية، عن معاني «الحداثة» و»الثورة،»، و»التفرد» وغيرها، التي تروج من دون أي فحص.