: آخر تحديث

العراق أمام مفترق طرق وربما منحدر خطير

يمر العراق حالياً بأخطر مرحلة في تاريخه السياسي الحديث، فقراءة متأنية وتحليل عميق لنتائج انتخابات 12 آيار 2018 وما تمخضت عنه من إفرازات، وما سيترتب عليها من تداعيات وانعكاسات، تدعو إلى القلق الشديد. فالكل في العملية السياسية العراقية يريد الحكم والسلطة والمال والامتيازات و لا أحد يرغب للذهاب إلى المعارضة حقاً، ربما يقولها البعض لفظاً، لكنهم يناورن للوصول إلى السلطة بأي ثمن. فجميع الكتل المتنافسة، إن لم نقل المتناحرة، منشغلة بمباحثات ومفاوضات، وتسويات ومناورات وابتزازات لترتيب تحالفاتها القادمة من أجل تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي يحق لها دستورياً أن تشكل الحكومة القادمة وتختار الرؤساء الثلاثة، رئيس الحكومة أو رئيس مجلس الوزراء، ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان. ويعتقد بعض المراقبين أن العراق منقسم حالياً بين الرؤية الأمريكية ومن يدور حولها من دول الخليج، والرؤية الإيرانية،  اللتان  يعملان على رسم مستقبل العراق. أي إن العراق محصور بين محورين، المحور الأمريكي والمحور الإيراني، ولكل محور أدواته المحلية والإقليمية، ونقاط قوته وضعفه، بينما يغيب الشعب كلياً عن هذه المعادلة السياسية مع إنه هو الذي صوت وانتخب وأدلى برأيه وأعلن خياراته رغم التزوير الفاضح والمقاطعة الكبيرة من قبل الناخبين. فهناك تحالف " فتح" بقيادة هادي العامري  وبيده قوات الحشد الشعبي وقوات بدر المدججة بالسلاح وتتمتع بالدعم والتمويل الإيراني، بل والحماية الإيرانية، والذي حل في المرتبة الثانية بعد تحالف " سائرون " بقيادة مقتدى الصدر وتحالفه مع التيار المدني الديموقراطي والحزب الشيوعي، والذي يدعو لدولة مدنية وإنهاء المحاصصةالطائفية ومحاربة الفساد والنأي بالنفس عن الصراعات والتهديدات القائمة حالياً بين طهران وواشنطن على خلفية إنسحاب أمريكا من الاتفاق النووي وفرضها لعقوبات شديدة الوطأة على إيران في محاولة للضغط لإخضاع طهران للإملاءات الأمريكية، وبالتالي محاولة تحالف سائرون التخلص من النفوذ الإيراني الكبير في العراق والذي بات يتحكم بكل شيء في العراق تقريباً. وبين هذين التحالفين يأتي تحالف" النصر" بقيادة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي ، الذي لا ترغب به طهران، بل هي غاضبة عليه اليوم بسبب إعلانه بأنه سيتقيد بالعقوبات الأمريكية ويوقف التعامل بالدولار مع إيران، وهي مغازلة من قبله للمحور الأمريكي لكي يسانده ويدعمه في سعيه لولاية ثانية بأي ثمن كان.  و لا ننسى أن تحالف النصر هو جناح لم ينشق بعد رسمياً عن حزب الدعوة، فالعبادي هو أحد القياديين لهذا الحزب الإسلامي الحركي، وكل ما في الأمر هو تنافسه الشديد مع القيادي الأعلى منه ورئيس الوزراء السابق لدورتين متتاليتين لثمان سنوات، وهو نوري المالكي الذي يقود تحالف " دولة القانون" والذي جاء في المرتبة الرابعة بعد سائرون والفتح والنصر. وهناك تيار الحكمة الأضعف الذي خرج لساحة المنافسات وهو ضعيف بعد انشقاقه من الجسد الأم " المجلس الإسلامي الأعلى، الذي خرج هو الآخر بخفي حنين من هذه الانتخابات الأخيرة. ويقود تيار الحكمة شاب  لا يمتلك الحكمة والتجربة والخبرة السياسية اللازمة ولديه طموحات جامحة في الزعامة والقيادة ويحاول أن يلعب على التناقضات بين الكتل الفائزة ليتبوأ موقعاً أكبر من حجمه بما لديه من مقاعد قليلة حتى يضمن له مكانة مؤثرة في التشكيلة الحكومية القادمة ألا هو عمار الحكيم. وهو يتأرجح بين الكتلة الإيرانية والكتلة الأمريكية ويقوم بمساومات شبه علنية مع هذا الطرف أو ذاك، رغم إعلانه مؤخراً بأنه مستعد للذهاب إلى " المعارضة" البرلمانية" لكن الحقيقة  هي أن تيار الحكمة يريد بأي ثمن أن تكون له مشاركة مهمة في الحكومة القادمة لما في ذلك من منافع ومكاسب مادية ومالية ومعنوية وسلطوية. من المسلم به أن جميع السياسيين بدون استثناء، يعانون من حالة الشعور بالضعف والدونية تجاه أمريكا وإيران، ولا يمتلكون رأياً عراقياً وطنياً حراً ومستقلاً. وإن كل الكتل معرضة للتفتت والانشقاقات عندما تغدو المصالح الفردية  هي الفيصل فلا يوجد تماسك إلا داخل " سائرون" نسبياً مقارنة بالآخرين. هادي العامري يتوق إلى شغل منصب رئيس الوزراء بأي ثمن وعلى نحو شبه مهووس، وتشجعه إيران على ذلك، وبالتالي فهو يناور على جبهتين في آن واحد. يتفاوض مع مقتدى الصدر وسائرون بشرط أن يكون هو المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء وهذا لا يناسب مقتدى الصدر وحلفاؤه في  سائرون وخاصة أن الشروط الأربعين التي فرضها الصدر في شخصية رئيس الوزراء القادم لا تنطبق بالمرة على هادي العامري المرفوض أمريكياً وسعودياً. ويتفاوض مع المالكي وتحالف دولة القانون لفرض أمر واقع في سباق تشكيل الكتلة الأكبر إذ أن المالكي لا يمانع في ترشيح العامري لمنصب رئيس الوزراء.  العبادي يرى أن حظوظ توليه ولاية ثانية باتت تبعد رويداً رويداً وهو يلهث لإقناع الجميع بأنه مستعد لتقديم كافة التنازلات وتلبية كافة الشروط مقابل إعادة تسميته رئيساً للوزراء ما يعني  ، على نحو مبطن إمكانية إنشقاق الكثير من مكونات تحالفه النصر الذي سينشطر إلى جماعات تذهب لهذه الكتلة أو تلك حسب موازنات القوى القادمة، وهو مدعوم أمريكياً وسعودياً، لكنه مرفوض إيرانياً، وهذه عقدة بل معضلة تحتاج إلى حل.وفي الجانب الآخر من اللعبة السياسية المحاصصاتية العراقية البائسة، يتواجد الأكراد والسنة. فالأكراد يعيشون حالة مخاض وصراعات وتنافسات وخلافات داخلية بين ثلاث مكونات رئيسية هي الحزب الديموقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود برزاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني، المنقسم إلى أجنحة وتيارات متنافسة بين ورثة الراحل جلال طلياني، ككوسرت رسول وهيرو زوجة الزعيم الراحل وأبنائها، و برهم صالح،  وأيضاً هناك كتلة " التغيير" المعارضة للحزبين الرئيسيين في كوردستان ، لكن ذلك لايمنع الكورد من تشكيل " التحالف الكوردستاني الموحد والذهاب ككتلة واحدة  للمفاوضات مع باقي الكتل لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر وبالتالي لعب دور بيضة القبان  والميل لمن يدفع أكثر ويقدم لها التنازلات خاصة فيما يتعلق بالبترول الكوردستاني وكركوك  والمناطق المتنازع عليها الخ. أما السنة فهم ليسوا استثناء  فتنخر فيهم الخلافات والتناقضات والمنافسات  لكنهم يسعون لتشكيل " المحور الوطني السني" وهم منقسمون أيضاً بين من يميل للمحور الأمريكي ومن يميل للمحور الإيراني، في الانضمام للكتلة البرلمانية الأكبر بعدأن تتضح ملالمحها وتغدو أمراً واقعاً لاحياد عنه، مع قبضهم للثمن المطلوب سلفاً عبر تعهدات والتزامات محددة وهم مدعومون سعودياً وأمريكياً أيضاً، وجزء منهم يحظى برضا إيران كذلك. الخاسر الكبير والضائع وسط هذا الحساء الهجين وغير المتجانس هو تحالف " الوطنية" بزعامة أياد علاوي الذي بات شبه مهمش في الوقت الحاضر ولا يمتلك أدنى فرصة لكي يرشح نفسه لمنصب رئاسة الوزراء الذي تخلى عنه مكرهاً إبان الاحتلال الأمريكي كأول رئيس وزراء انتقالي مؤقت للعراق في زمن بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي الفعلي للعراق آنذاك، وهو يقترح حلول فنطازية من قبيل " حكومة الإنقاذ الوطني" والعودة إلى نقطة الصفر وهذا سوء فهم لمجريات الأمور السياسية. هذه هي الخارطة  السياسية ومكوناتها في عراق اليوم، والتي تضع العراق على شفى حفرة من النار لو تجرأ أي طرف على إقصاء الطرف الآخر وفرض الأمر الواقع من خلال مناورات دنيئة  وتآمرية وتسويات غير شريفة بغية تشكيل الكتلة الأكبر وإجبار الخصم على القبول بموقع المعارض رغماً عنه، أي فقدانه  حتى لأدنى قدر من الامتيازات والعوائد، ما يعني أن كل طرف أعد أسلحته ومقاتليه تحسباً لأية مواجهات مسلحة  قادمة ستغرق العراق في بحر من الدماء وتأكل الأخضر واليابس فيه.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. شعب غريب
jan - GMT الأحد 19 أغسطس 2018 11:14
بكل الاحوال ومع انني ضد صدام حسين واجرامه, ولكن حقيقة شعب مثل هذا الشعب الذليل يراد له صدام ليدوس على رقبته, لان من كان الذل والعبوديه في دمه, لا يستطيع مجرد التفكير بالكرامه والحريه وهؤلاء هم العراقيون من قتله سنيون دواعش ومن ابناء متعه شيعيون ذيول ايران... رحمه على روح صدام, هو وحده كان يعرف كيف يتعامل معهم
2. اذا حكمت فاحكم وضميرك في يدك
اشوري مشرد - GMT الأربعاء 22 أغسطس 2018 04:14
يا اخي المعلق رقم واحد لويش انت تتحمل خطيئه هولاء البشر . كل شئ هناك يدور ويحوم حول عنق العراقيين . الشعب الوحيد بالعالم يعيش على هامش الاحداث ولايستطيع ان ينطق باي شئ . هولاء الموجودين هم دمى تتحرك ضمن دائره املاء فاراغات . صحيح ان المشهد يوحي على وجود خلل في فهم تتطور القيم الماديه للمجتمع . مئه سنه من انتاج النفط اللعين والناس في نهايه المطاف لا ماء لا كهرباء لا صحه لا دواء ووووو حدث بدون حرج ؟ السؤال هنا هل بقى شئ للاجيال القادمه ؟ النتائج الموجوده لحياة العراقيين في المهاجر تقول انهم اعظم فئه اجتماعيه متطوره وذو هيبه وبشر متقدمون واكاديمون حقيقيون وفي المراكز الاولى . يا اخي هل استطعت ان اوصل الرساله .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.