قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ليس بسرٍ أن القوى الكبرى أسست منظمة "المافيا "نتيجة تضارب المصالح فيما بينهم آنذاك واستخدمتها في تصفية الحسابات السياسية النابعة من الصراع الاقتصادي، فالهوية والسلاح والمال كان معلومين لدى الجميع، استفادوا من تلك التجربة فصنعوا ذات السلاح باسم مغاير " مافيا الشرق الأوسط "كالقاعدة والنصرة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية الاخرى، استخدمتهم لذات الأهداف بصبغة إسلامية، لكن عنصر المفاجأة لديهم ظهر بسلاح فتاك لم يستطيعوا السيطرة عليه في بداية الأمر "التطرف الفكري "الذي انتشر كالبرق بمساعدة التكنولوجيا الحديثة ووصل الى عقر دارهم، لم تنفع القوى العظمى إمكانياتهم الهائلة لصد ذاك السلاح، فما كان عليهم إلا نقل المعركة الى الشرق الأوسط ونجحوا بذلك بجدارة.
لم يكن قرار انسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوروبي في يوليو 2016 أمراً عابراً ووليد اللحظة، الهروب من دفع تكلفة الدمار القادم من الشرق باتجاه الغرب والنأي بالنفس عن مواجهة المتطرفين والمتشددين من جارتهم تركيا جاء في التوقيت الملائم لها، لاسيما بعد الحصار السياسي على الأخيرة من قبل الغرب وأمريكا ودفعها باتجاه نهر موسكو والانجراف مع ذلك التيار، غالباً ما كان مخطط له بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فالأرضية كانت مهيأة تماما لتركيا لتصبح الحضن الدافئ للإسلاميين المتطرفين والمتشددين بعد دعمها للإخوان المسلمين في دول المنطقة اهمها مصر وسوريا طوال اعوام مضت، وهو ما قطع كل خطوط انضمامهم للإتحاد الأوروبي وجعلهم في عزلة دولية تامة، ستنتهي الهيمنة العثمانية بمجرد انتهاء الحرب في سوريا، مع الوقوف بين الحين والآخر على مدى فشل القوى العظمى في إعادة احداث افغانستان والمستنقع الدموي مع الروس وتكرار التجربة على الأراضي السورية.
عبر هذه التطورات يتضح المشهد تلقائياً، استفادت الدول المجاورة لجغرافية كردستان من تلك المافيا وتطرفها الفكري، استطاعت إيران وتركيا من تنظيم صفوف تلك المنظمات ودفعتهم باتجاه اقليم كردستان من زاوية شنكال وتمددت عبر اراضيها من خلال تنظيم الدولة الاسلامية "داعش"، كان الثمن باهظاً للغاية، اعاد الكرد رسم الحدود لكن بقدرة قادر خرجت القوانين والدساتير المزيفة من ارشيف النسيان وتم تطبيقها على أرض الواقع، لم يبقى للإقليم سوى العودة الى ما قبل 2014، وبمجرد ادراكهم انهم باتوا في وسط السلم لم يبقى أمامهم سوى العودة الى ما قبل 2004 والتوجه لبغداد والبدء من جديد بالصعود، أما في المشهد السوري، الحلف المتناقض نظرياً (الإسلام "المزيف "بشقيه السني والشيعي مع الشيوعي )إيران تركيا روسيا، لكن عملياً تلك المنظمة جمعتهم في خيمة واحدة، بات الثلاثي محصوراً في زاوية ضيقة جداً يلتفون حول بعضهم البعض في مؤتمرات عبثية لإيجاد مخرج لكن دون جدوى، رغم امتلاكهم زمام الأمور على الأرض بين النظام والمعارضة واستملاك القرار إلا أن الخاتمة خارج صلاحياتهم.
ثبتت الأحداث نظرية أن سوريا مقسمة إلى ثلاث مناطق رئيسيه مع أفرعها، منطقة علوية شيوعية قديمة متجددة تتبع للروس وإيران، منطقة اسلامية متشددة ومتطرفة تابعة لتركيا، منطقة شرق الفرات الكردية ذات النفوذ الأمريكي والغربي، الاشتباك وشيك وبعيد في آن معا، الرئيس التركي رجب طيب اردوغان متشبث بحل القضية الكردية من خلال السلاح وليس عبر الحوار والدبلوماسية، وأصبح مجبراً بالاقتراب من شرق الفرات والاصطدام مع الأمريكيين والتحالف من خلال استفزازاته ضد القوات الكردية المنتشرة في المناطق الكردية الموازية للشريط الحدودي معها، فاحتل عفرين وسلمها للمافيا التي نهبت وأحرقت واغتصبت الارض، الروس انسحبوا ولن يعيدوا ما حصل لهم في افغانستان، والأمريكان كذلك الأمر لن يعيدوا ما حصل لهم في العراق ما بعد 2003، الكرة في ملعب رجب طيب اردوغان الذي بات بين أقوى قطبين نوويين والاصطدام مع أحدهم لا مفر منه، باتت المافيا الشرق أوسطية كالحاسبة تنظم الارقام المالية للقوى العظمى وبذات الوقت السلاح الذي ينظم صفوف انظمة الحكم الاتية وفق مصالح الجميع على حساب الشعب الكردي.
بكل تأكيد المواجهة ستكون دولية وفق المخطط وإنما على الأرض ستكون بين الموالين، الكرد في هذه المعركة خاسرون قومياً ومنتصرين عسكرياً بدعم التحالف تحت قيادة واشنطن، الشعب في خطوط الجبهات يحمل السلاح بظروف مرحليه تجبره على القتال، والأطر السياسية في خطوط نافذة المال السياسي، في الحالتين لا توافق على الطاولة، ربما الحل تلاشى وفق المشهد العام، لكن الأمل يبقى مطروحاً، لا بد لمن يختبئ خلف الستار التوقف للحظة ومراجعة الذات ومحاولة تفسير الحالة ومدى السوء الحاصل بالقضية الكردية، قيادة المرحلة بشكل احادي لن يجدي نفعا مهما كان الثمن في الوقت الراهن من الوعود، عليهم إخراج أنفسهم من دائرة التخطيط العالمي ورسم خارطة بسيطة تكون المنقذ للشعب الكردي، مازال الأمل يكمن في التلاحم حسب مصالح الأمن القومي الكردي فعلياً وليس بالشعارات الرنانة، وأي ابتعاد عن هذا التوافق هو وهم وهزيمة كبرى آتية لا محالة، ما زال الكرد يهدرون سنين عمرهم في قراءة التاريخ دون أن يشعروا بأنهم بذلك يخسرون الحاضر والمستقبل، عليهم قراءة الحاضر والتفكير بالمستقبل هكذا يستطيعون مواكبة العصر والاستباق بالخطوة الأولى أمام أي مخطط يستهدف وجودهم ووحدتهم وأرضهم، التشتت الفكري والثقل الاقتصادي بالخوف من القادم جعلهم في دوامة الإعصار، التركيز وتقسيم المهام وضبطها في قيادة جماعية يكون هدفها الأساسي التمسك بالهوية القومية لأنها الوحيدة التي تبعث بالسلام للجميع وتميزهم عن أعدائهم، فالمعادلة حلت نفسها تلقائياً، حين يهاجم الوحش في الغابة فريسته لا بد من كبش فداء للفت نظره وسحبه باتجاهه الى حين أن تصبح الفريسة بأمان، العالم برمته تفادوا قدر الإمكان من تقليل خسائرهم أمام وحش "المافيا الشرق أوسطية "كان الكرد من لفتوا انتباهه في كردستان العراق وسوريا، مازال هذا الشعب يدفع ثمن إنقاذ غيره دون أن ينقذ نفسه.

كاتب وباحث سياسي كردي