: آخر تحديث

دروس من عملية "الحديدة"

اكتب هذه السطور وعملية تحرير مدينة الحديدة اليمنية لا تزال جارية تمضي على قدم وساق وفق تخطيط عسكري دقيق يقدم العديد من الدروس في واحدة من أعقد العمليات العسكرية التي تنفذها جيوش نظامية في مواجهة عصابات وميلشيات تطبق استراتيجيات الجيل الرابع من الحروب، ولاسيما الشق الخاص بحروب المدن والشوارع.

من الضروري الإشارة إلى أن العقدين الماضيين قد شهدا العديد من العمليات العسكرية المماثلة، لاسيما خلال احتدام الصراع في العراق وسوريا وليبيا وغير ذلك، ولذا كان التحدي الذي يواجه مخططي العمليات العسكرية في قوات التحالف العربي الداعم للجيش الوطني اليمني صعباً ومعقداً لأن عملية تحرير الحديدة تجري في ظروف استثنائية تتمثل في أن أهالي المدينة موالون للتحالف والشرعية اليمنية ومن ثم كان الحفاظ على أرواحهم هدف استراتيجي ذا أولوية قصوى، والأمر الثاني أن العملية تجري وسط أجواء ترقب دولي لمجرياتها، وبالتالي كان من المهم تفويت الفرص على أي محاولة مغرضة لتشويه الهدف النبيل لدول التحالف بتخليص المدينة من هيمنة عصابة الملالي اليمنية.

تنفيذ عملية تحرير مدن مجهرية أو مشرطية كما يطلق عليها الخبراء العسكريين مسألة ليست هينة ولا بسيطة، لذا فقد استغرق التخطيط والتنفيذ كثيراً من الوقت لضمان تحقق الأهداف من دون خسائر في البنى التحتية ناهيك عن الخسائر البشرية الأشد إيلاماً، لاسيما إن كانت بين أشقاء لنا، فالذاكرة البشرية لا تزال تستدعي عمليات تحرير مدن في العراق وسوريا انتهت بدمار شامل على المستويين المادي والبشري، لذا كان الحذر العسكري حاضراً بقوة خلال مرحلتي التخطيط والتنفيذ، الذي جاء ليقدم دروساً مهمة في التخطيط العسكري في عمليات يتوقع الخبراء لها أن تكون هي احد أنماط التحدي الذي يواجه الجيوش النظامية في القرن الحادي والعشرين.

أحد دروس هذه العملية هو الموازنة بين العمل العسكري والإنساني، حيث تزامن الجسر الاغاثي مع العملية العسكرية ليقدم المساعدات العاجلة للمدنيين بموازاة تقدم العمليات العسكرية، كسباً للوقت وتأكيداً على أولوية المدنيين في مثل هذه العملية المعقدة عسكرياً،  والدرس الثاني يتمثل في كيفية تفادي الاستدراج لحروب شوارع مدمرة واستخدام القوة الجوية بحرفية ومهارة في استهداف العناصر المعادية من الميلشيات من دون الاضرار بالمدنيين، وهي مسألة تتطلب صبراً وتدريباً ومهارات قتالية كفؤة ومعلومات دقيقة على الأرض بحيث تتضافر مجمل هذه العناصر لتقدم نموذجاً لعمل عسكري قتالي نموذجي. وهكذا جاءت العملية نموذجية في تنفيذ عمليات تحرير المدن من دون خسائر بشرية ومادية، كما يحدث عادة، ولتقدم نموذجاً في الأداء القتالي الذي يزاوج بين الفاعلية العملياتية وحماية المدنيين ليقدم حلولاً لأحد أخطر التحديات التي تواجه الجيوش الحديثة في خوض حروب الجيل الرابع التي تعد سمة مميزة لصراعات القرن الحادي والعشرين، حيث تم تجاوز تحديات أساسية أهمها تقديم مساعدات مستمرة لإغاثة السكان، وتجنيب المدنيين آثار الحرب في مناطق القتال، ثم تحقيق النصر العسكري وسط ظروف ميدانية معقدة بسبب التشابك بين المدنيين والميلشيات التي تتخذ من السكان حوائط بشرية تحتمي فيها.

الدرس الثالث للعملية يتمثل في كيفية استخدام القوة العسكرية المحسوبة وتوظيفها في خدمة السياسة، حيث كان الهدف الأساسي لعملية تحرير الحديدة هو فتح آفاق التسوية السياسية في ظل تعنت ميلشيات الحوثي بايعاز من ملالي إيران وبغرض استنزاف قوات دول التحالف العربي، لذا فإن استخدام القوة الكفؤة بشكل محسوب ومدروس لتحريك العمل السياسي يقدم درساً مهماً في هذا الإطار، لأن تجميد الأوضاع في ظل سيطرة عصابات ومليشيات على مدن يقطنها مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء يعد مأساة إنسانية يصعب الصمت عليها، لاسيما إن كان هؤلاء السكان أشقاء وذوي قربي.

لذا، فقد لاحظ العالم أن جهود المبعوث الدولي قد ضمت جنباً إلى جنب مع تصعيد محسوب لخطوات خطط العمل العسكري، ولم يكن هناك أي نوع من الاستعجال او الارتباك، وقد أكد معالي الدكتور أنور قرقاش ذلك في تصريح له بقوله "نقوم بهذا الضغط ليساعد أيضا المبعوث الأممي حالياً في فرصته الأخيرة لإقناع الحوثيين بالانسحاب غير المشروط من المدينة وتجنيب المدينة أي مواجهة"، وأضاف "إذا لم يتم ذلك فإننا مصممون على تحقيق أهدافنا"، إنها استراتيجية "الخطوة خطوة" مضت بتنسيق محسوب ودقيق بين الشقين السياسي والعسكري، مع مراعاة الظروف والأوضاع الميدانية على الأرض، إذ لابد وأن تؤخذ هذه الأوضاع ضمن حسابات السياسة وشروط التفاوض.

هذا المعنى يؤكد أن العمل السياسي هو الأساس فيما يجري في الحديدة، فدول التحالف تدرك أنه لابد من حل سياسي في نهاية الأمر، وأن العمل العسكري ليس سوى وسيلة للوصول إلى السياسة، ولكن تعنت الحوثي يحول دون هذا الامر، فكان لابد من حلحلة للوضع الذي تصور أنه دان له بالسيطرة على مقدرات الدولة اليمنية وأهم شرايينها الاقتصادية. فالسيطرة على الحديدة كانت تعني استمرار الشريان الرئيسي الذي يمد الميليشيا الانقلابية، وتهرب من خلاله الأسلحة والصواريخ الإيرانية التي تهدد به الشعب اليمني ودول الجوار، كما يحصلون من خلالها على نحو عائدات استخدام الميناء التي توفر مورداً اقتصادياً يحتكرونه على حساب الشعب اليمني.

عملية تحرير مدينة الحديدة ستبقى نموذجاً مثالياً ملهماً في العمل العسكري المدروس الذي تعامل بكفاءة قتالية نادرة مع تحديات حروب القرن الحادي والعشرين، وبإذن الله ستمضي العملية وتنتهي بتحقق مجمل أهدافها وصولاً إلى تحرير صنعاء وكامل التراب اليمني من قبضة عملاء إيران، ليعيش الشعب اليمني الشقيق حياة يستحقها بعد طول معاناة مع هذا الكابوس المؤلم.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. تعليق
بسبوسة - GMT الجمعة 22 يونيو 2018 10:05
ثمة تشابه كبير بين سالم الكتبي وشخصيتين معروفتين في العالم العربي، الأولى: الإذاعي المصري أحمد سعيد الذي توفي مؤخراً وهو صاحب إذاعة صوت العرب الشهيرة في ستينات القرن الماضي. وأما الشّخصية الثّانية، فهي محمد سعيد الصحّاف الذي أدار الحرب الاعلامية خلال الغزو الأمريكي عام 2003 .. غفر الله للثلاثة ما تقدّم من ذنوبهم وما تأخّر.
2. الحديدة صارت حارة
جبار ياسين - GMT الأحد 24 يونيو 2018 21:31
صرح جنرال امريكي يدرس في كلية الأركان الأمريكية في ولاية ارزونا ان عميد الكلية اخبرهم بضرورة تدريس تجربة تحرير الحديدة في الكلية المذكورة لما تمثله من تطور في الأستراتيجية القتالية وتنظيم الخطط من اقتحام وتراجع ، ومن التفاف واصطفاف ومن استخدام للتكتيك والتكنيك ، حيث شبهها الجنرال بمعركة الأردين في الغرب الفرنسي في كانون الأول من عام1944 . وهي المعركة التي قصمت الجبهة الغربية للجيش النازي ومهدت لأجتياح المانيا وسقوط باب الشيخ ومنطقة الكلجية على ابواب برلين .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.