: آخر تحديث

حينما يَحكم أسافلُ الناس! 

كفاح محمود كريم 

   بعيدا عن التصنيفات الرأسمالية والشيوعية لطبقات المجتمع وتعريفهم للشرائح، سأتحدث هنا عما قاله ابن خلدون* عن حكم أسافل الناس، وما ذكره احد أعيان الفرات الأوسط إبان حكم الهواشم ووزيرهم الأول نوري السعيد، الذي طالما كان يتولى إضافة إلى رئاسة الحكومة احد منصبي الداخلية أو الدفاع وأحيانا الخارجية أيضا، لكي لا يقع القوم بهذه المناكفات أو البازارات العراقية للمناصب الحلوب التي نشهد مسرحياتها ومهازلها اليوم. 

   قبل أكثر من نصف قرن توسط شخص ما لدى أحد أعيان الفرات الأوسط وهو الشيخ عبود الهيمص* طالبا منه توصية نوري السعيد لقبول ابنه في كلية الشرطة أو العسكرية حينها، وبعد التحري والتدقيق، قال له الباشا لا يمكن قبوله، لأسباب تربوية واجتماعية تتعلق بأسرته، مؤكدا انه لا يستطيع أن يقبل شخص فيه عاهات تربوية واجتماعية في موقع سيكون فيه بعد سنوات برتبة عالية يتحكم من خلالها بآلاف البشر وعوائلهم. 

 وقبل الخوض فيما قاله ابن خلدون أو الشيخ عبود الهيمص نقلا عن الباشا نوري السعيد، فأن الاسافل واللصوص والسفهاء ومتسلقي المناصب والامتيازات، لا علاقة لهم بالطبقة التي ينتمون إليها ونمط السلوك الذي يمارسونه، فقد شهدنا في حياتنا أنبل البشر بين الفقراء ومنهم، والعكس صحيح بين الأثرياء، إنها فعلا البيئة الفاسدة والتربية المنحرفة والقيم الدنيا التي تنتج هذا النمط من الشرائح الاجتماعية، وتتعلق حتما بالبيئة التي ينشئون فيها والتربية التي يتلقونها في طفولتهم والسنوات الأولى من نضجهم، وفي الوقت الذي تهتم الدولة المتحضرة في معالجة هذه الشرائح، بل ومنعها من التسلط أو التحكم بأي شكل من الأشكال وفي كل مفاصل الدولة، فإنها تنمو وتتمدد في الدول المتخلفة سواء كانت دكتاتورية أو حتى في مراحلها الأولى بالديمقراطية، وخير مثال ما نشهده في بلداننا التي تعج اليوم بمهرجانات وأسواق الفساد المالي والإداري والسياسي ناهيك عن الاجتماعي والأخلاقي، وليس أروع مما قاله ابن خلدون عن هذه الشريحة التي تسلطت على رقاب البشر من منافذ ديمقراطية أتاحت لها في لعبة الانتخابات وقيم القبلية البائسة وتجارة المناصب بالسحت الحرام، أن تنفذ إلى مواقع حذر منها المفكر الكبير منذ أكثر من ستمائة عام حينما قال: 

 "لا تولوا أبناء السفلة والسفهاء قيادة الجنود ومناصب القضاء وشؤون العامة، لأنهم إذا أصبحوا من ذوي المناصب اجتهدوا في ظلم الأبرياء وأبناء الشرفاء وإذلالهم بشكل متعمد، نظرا لشعورهم المستمر بعقدة النقص والدونية التي تلازمهم وترفض مغادرة نفوسهم، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سقوط العروش ونهاية الدول" 

 ولينظر كل منا أينما كان وفي أي مكان إلى ما حوله ليرى ما ذكره ابن خلدون وفعله الباشا نوري السعيد في شخوص أناس تولت أو تسلقت في غفلة من الزمن وبسلم صدئ مواقع التسلط والتحكم في دول صنفتها منظمات الشفافية العالمية بأنها الافشل والأكثر فسادا في العالم!  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

هوامش: 

  • ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (1332 - 1406م)، ولد في تونس وشب فيها وتخرّج من جامعة الزيتونة، ويعتبر ابنُ خَلدون مؤسسَ علم الاجتماع الحديث ومن علماء التاريخ والاقتصاد. 

  • عبود الهيمص ( 1904-1989 ) من أعيان وشيوخ الفرات الأوسط ( محافظة بابل ) وهو أحد شيوخ عشائر البو سلطان من قبيلة زبيد ومن كبار رجال الإدارة السياسية في العهد الملكي واحد ثوار العشرين ورجل البرلمان المعروف. 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 8
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. تجربة العراق الحالية دحضت المقولة
البابلي - GMT السبت 19 يناير 2019 14:05
لو أخذنا بنظر الاعتبار كون أياد علاوي و أحمد الجلبي و أسامة النجيفي و عادل عبد المهدي و حتى نوري المالكي ــ الذي يُشار اإلى أن جده كان وزيرا في العهد الملكي ــ فضلا عن أبناء عائلات إقطاعية أو مرجعية كمسعود البارزاني و مقتدى الصدر و عمار الحكيم فهؤلاء كلهم ينحدرون من عائلات ليست من" الأسافل " أنما من " ألأعالي " ومع ذلك رأينا كيف حكموا وماذا فعلوا بالعراق و إلى أي مصير مزر و كارثي أوصلوه
2. عائلة وعشيرة البارزاني والطالباني
كوردي - GMT السبت 19 يناير 2019 16:43
أتقصد عائلة وعشيرة البارزاني والطالباني التي نهبتا البشر والحجر في كوردستان العراق. تحت سلطة المافيا البارزانية والطالبانية تحولت كوردستان الى مجتمع عشائري ديني متزمت متخلف لا يختلف عن مجتمع الموصل تحت حكم داعش.
3. من هن السفهاء ؟
فول على طول - GMT السبت 19 يناير 2019 17:24
فى بلاد الايمان لا تجدد تعريف واضح للسفهاء أو أسافل الناس والسبب أن المعايير مقلوبة ولا يوجد قانون يحاسب السفهاء أو الأسافل بل هم القانون وهم الشرطة وهم القضاة . من لدية أموال فهو من الأسياد بغض النظر عن تعليمة أو قيمة وتعليمة وأخلاقة . والسؤال الأهم :من أين يستمد الناس أخلاقهم فى بلاد المؤمنين ؟ ؟ يتم تعيين القضاة وهم أهل العدل أو المنوط بهم العدل بالرشوة والوساطة وكذلك الشرطة والكثير من المناصب الخ الخ . هل من يحصل على منصبة بهذة الطريقة سيكون عادلا يوما ما ؟ أو يكون لدية قيم منضبطة ؟ ونصل الى رئاسة البلد أى رئيس الجمهورية فهو يصل الى منصبة دائما بتزوير النتخابات - على أساس أن هناك انتخابات والجميع يعرف ذلك - وبلاد المؤمنين هم أكثر البلاد تزويرا فى كل شئ مع أنهم مؤمنين وأكثر البلاد فسادا وتحرش ورشوة ومحسوبية الخ الخ ...ومع ذلك يتشدقون بملئ الفم أنهم مؤمنون بالبفطرة ولا يجدون أى غضاضة أو شيزوفرينيا فى ذلك . العلاج يبدأ أولا بالاعتراف بالشيزوفرينيا التى نعانى منها وتسمية الأسماء بأسمائها الصحيحة . تحياتى .
4. محرفوا القادة الاكراد يريدون السلطة والزلاطة والارض في شمال العراق ؟
السومري يتكلم - GMT السبت 19 يناير 2019 17:59
اولا- مسعود البرازاني وقادتكم اين موقعهم من الاعراب في تدمير العراق والعراقيين؟ثانيا-انت الصوت المرتفع لحركة التحرر الكردية وبطلها المناضل والمخلص والمتواضع والكادح البرازاني وصديقه ابن حزب البرولتوريا فخري كريم سنجنة؟وكل القادة الاكراد الشيوعيين والماركسيين والتقدميين والديمقراطيين والليبراليين التقلديين والنيو-ليبرالي ؟كلهم الا ماندر ما قصتهم في تدمير العراق والعراقيين وايضا علاقتهم مع ايران ابان حرب ايران -العراق والى الان؟الى متى انت وسربست وغيركم من كتاب السمفونية-الكسيحة والفاشلة للمشروع التدميري الكردي للعراق والعراقيين وللاكراد وكما قال احد المعلقين في مكان اخر يعاد استنساخ مشاريعكم واعمالكم والفرق الوحيد في كل مرة نقل البندقية من كتف الى كتف وبخفة ومهارة عجيبة والنتائج مخزية وتدميرية لشعبكم المبتلي بقادته وكتابهم وغسل الدماغ الذي جعلهم في وهم ووهم حتى الان ولكن؟اعود للبابلي طبقيا في العهد الملكي او الشيعة الساسية او العروبية او الكردوية كله كلام فارغ ؟فالعراق مال سائب منذ زمن بعيد منذ سقوط بابل بيد الفرس واسيادهم؟ بابل ولا يهم من يحكم ؟ وليس لهم في العراق غير هم الحكم والسلطة والتسلط والسرقة والتحريف للحقيقة العراقية؟الجواب للسيد المعلق البابلي أذهب ودقق في حقيقة العراق ولا تدافع عن احد او الطبقة او المذهب فالجرح عميق ويحتاج الى علاج حقيقي وليس الى مسكن .نعم دقق كلامي وحكم ضميرك بالسبب ؟واعطيك حلا بسيطا عندما تدقق ستجد الحقيقة العراقية ونظام الحكم في بابل في زمن بابل؟ ويلتزم بها من خلال فهم الماضي لا لننام فيه بل لنصنع حاظرا انسانيا لشعبنا في دولة مواطنة حقيقية وليس استخدام كلام ديني لغاية في نفس يعقوب كما يقال ؟نعم مستندة الى حقائق التاريخ والجغرافيا والمصداقية والعدالة وقدرة العرا ق وثرواته وموقعه واهله وليس الصفقات المذهبية واقصد كل الطبقة السياسية نضاامها السياسي بعد 2003؟وللعلم نظام ما قبل 2003 قطار امريكي ايضا لان الجميع يريط سلطة ام القادة الاكراد حلفاء الاحزاب الشيعية السياسية والاسلاموية الحاكمة -وكتابهم يريدون السلطة والزلاطة والارض -في شمال العراق حتى الكوت وبتبجح وغرور كانوا مع الاسياد الامركان يحكمون العراق الى ان اختلفت ايران مع امريكا مصلحيا وتكتيكيا والله على ما أقول شهيد وشكرا ايلاف
5. صدقت وصدق الباشا وابن خلدون
علي بن مليح الزوبعي - GMT الأحد 20 يناير 2019 08:25
وهذا مايجري في بلادي منذ ان سلمته امريكا الى مجموعة من اللصوص والمرتزقة... دمت بخير
6. البيئة الوضيعة
خالد الخفاجي - GMT الأحد 20 يناير 2019 08:52
حينما سؤل الحجاج عن كيفية سيطرته على اهل العراق قال وليت "عليهم اراذلهم".ومن يتحكم بمصيرنا اليوم هم اراذل القوم الذين نشأوا في بيئات وضيعة كانت السبب في تحديد انماط سلوكياتهم السلبية والمنحرفة.البيئة وما تحويه من مجتمع حضري او ريفي او ديني متطرف والحكومة ومدى تلبيتها لرغبات المجتمع من الحقوق والواجبات, والتربية الاسرية التي يصطبغ بها سلوك الافراد منذ نشأتهم هي المحرك الاساسي في توليد المشاعر السلبية او الايجابية وبالتالي تكون هذه المشاعر هي المتحكمة في سلوكيات بقية افراد المجتمع, وبغياب الكوابح القانونية والاخلاقية فان الحالات الشاذة تصبح هي القاعدة, ويصبح السلوك القويم هو السلوك الشاذ.
7. العمده والسلطان
ناظم - GMT الإثنين 21 يناير 2019 06:05
اكو مثل عراقي يقول أجه يكحلها فعماها....مستشار السيد البرزاني يتحدث عن السفهاء لأبناء العوائل السياسيه...ترى ماهو موقع العائله البرزانيه في هذه المقاله ..البرزاني الأب خريج الثاني متوسط..مسرور ونجريفان وباقي الأخوه لم يكملوا مدرسه ثانويه..وهم رؤوساء و رؤساء حكومات...تذكرني زوجة السيد نجرفان البرزاني بأحدى بطلات مسلسل أو خماسية الساقيه المصري الشهير في ستينات القرن الماضي...حينما كانت تقول أنا بنت العمده وأخت العمده ومرة العمده وأم العمده....فلقد حوتها كلها تلك السيده واليوم زوجة السيد نجرفان والعظمة لله الا أم العمده فلا زالت شابه وبالنهايه فهي ليست ببعيده بعد عمر طويل أنشاألله
8. القراءة المتمعنة وليس التصفح فقط
ماني سمعان - GMT الخميس 24 يناير 2019 19:39
للأسف معظم التعليقات لم تفهم المقصود تماما من المقالة , ليس المهم أن تكون من العائلات المرموقة والكبيرة , المهم هو التربية والاخلاق , فهناك الملك أو الامير الفاسد وهناك ربما الفقير المعدم ذو الاخلاق الطيبة والحسنة , وفي تاريخ العرب والاسلام خير الامثلة على ذلك . معظم الامثلة في التعليقات هي انتقاد لمن قصدهم الكاتب . وأظن أنه كان أصاب في مقالته لتصوير ما نحن عليه الان في معظم بلداننا العربية من تحكم الفاسدين في رقاب الشعوب وتدميرها لأواصر العلاقات الاجتماعية بالرغم من أن بعضهم من عائلات معروفة ومرموقة . وكما يقول المثل " الوردة التي خلفت شوكة"


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي