: آخر تحديث

دول التماس

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

انها الدول التي يضعها قدرها التاريخي وتشتتها الديمغرافي في موضع وسطي بين طرفي نزاع او بين عملاقين دوليين يتنازعان في صراع دولي. انها ايضا دول يعاني الفرد فيها من تعدد الولاءات غير المحسوم والمتراكم عبر قضايا التاريخ والدين والايديولوجيا غير المحسومة.

دول التماس موجودة عبر التاريخ ولكن ملامحها الواضحة ودورها في الصراع برز في القارة الاوروبية ابان الحرب العالمية الثانية وتحديداً اغلب دول اوروبا الوسطى التي اضحت وسط نيران ذلك الصراع العالمي.

بعض هذه الدول تحالفت مع المانيا النازية مجبرة او مختارة كما هو حال النمسا والمجر وكرواتيا، وبعضها استسلمت سريعاً لهتلر مثل جيكوسلوفاكيا. اما بولندا فقد ضاقت الامرين في صراع ارادات دولية متعددة اراد بولندا واحدة ولكنها ممزقة الولاء.

المؤرخون يتفقون على ان بولندا عانت عبر التاريخ من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي وضعها في قلب الصراع في القارة الاوروبية؛ بولندا كانت لها معاهدة استراتيجة مع الاتحاد السوفيتي ولكن قواها السياسية والعسكرية كانت واقعة ضمن النفوذ والتاثير الالماني المباشر ولذلك عندما حدثت عملية غزو بولندا انقض الغريمان الالماني والروسي على ساحتها في عام 1939 فتحولت بولندا الى الشرارة التي انطلقت منها الحرب الكونية الثانية و اختفت ملامحها كدولة على اثر تقاسمها بين السوفييت والالمان.

وحتى عندما عادت بعد انتهاء الحرب دولة واحدة مستقلة استمر انقسام بولندا النفسي بين ولاءات الشرق والغرب وبين احداث التاريخ وجراحه التي لم تعالج جذرياً ولايزال صراع الهوية يحطم وحدتها الوطنية ويضعف روح المواطنة والانتماء فيها.

بولندا اليوم دولة تماس حائرة بين الولاءات الغربية او الشرقية وكل من هذه الولاءات تدعمها مجموعة من السياسيين الفاسدين الذين يتلقون الدعم من هذه القوة او تلك. والشعب البولندي ذاته جزء من هذه الفوضى فهو تارة يدعم هذا السياسي او ذلك الحزب ويجعله في مصاف الزعامة ثم سرعان ما يطيح به ويلقي به في اسفل السافلين.

الشرق الاوسط بدوره يعد تجمعا كبيرا لدول التماس وهي الى حد كبير تشبه دول اوربا الوسطى في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ليس فقط من حيث ضغط الصراع المتعدد الاطراف للقوى الاقليمية والدولية بل وحتى من حيث تعدد الولاءات السياسية والدينية لشعوب الشرق الاوسط. وكثيراً ما كان يطلق تسمية دول التماس على دول عربية مجاورة لاسرائيل باعتبارها تتاثر بمجريات الصراع المباشر ولكن هذه التسمية كانت تدل على التماس الجغرافي وليس فعل التاثير والتاثر العقائدي او الايدولوجي.

مؤتمر الشرق الاوسط الذي انعقد مؤخراً في العاصمة البولندية (وارسو) الذي ترعاه الولايات المتحدة، يحاول ان يعيد صياغة منظومة الصراع في الشرق الاوسط ويعلن ان رياح الصراع في المنطقة غيرت مساراتها وصارت تتجه شرقاً باتجاه عدو كبير الحجم والتاثير والعمق او ربما تجري عملية عملقته وتحويلة الى وحش منفلت وخارج منطقة الردع الدولي.

ايران تذكر العالم بالمانيا مطلع الحرب العالمية الثانية من حيث تضخم القوة العسكرية وقوة التاثير اليديولوجي الذي يقدم ايران كمرجع وحامي للقوى والحركات الشيعية في الشرق الاوسط وهي حركات راديكالية و في اغلبها ذات طبيعة ثورية مسلحة ترفع شعارات مضادة للغرب؛ وعليه تقدم ايران نفسها كعدو للولايات المتحدة وهي مرشح قوي للصراع الشرق الاوسطي القادم.

مؤتمرا (وارسو) يضع العراق كدولة تماس مثالية من حيث القدر الجغرافي الذي يحوله الى ساحة حرب مفتوحة الابعاد تصب فيها جميع مجريات الصراع في الشرق الاوسط . ولكن الجغرافية ليست العامل الوحيد الذي يجعل العراق دولة التماس في صراع الشرق الاوسط بل عوامل اشد وقعاً في مقدمتها ازمة الولاء والهوية الوطنية فالفرد العراقي ومنذ عام 2003 صارت تنعكس في منظومته الفكرية مجموعة متناقضة من التبعيات التي تغذيها حواضن الجهل والرجعية وسوء وتردي منظومة التعليم والثقافة الوطنية والمجتمعية. العامل الاخر هو الانقسام السياسي بين الزعماء السياسيين وصراعاتهم البينية وتبعيتهم المصلحية لمن يضمن بقائهم في الحكم ويسترعورة فسادهم المستشري، هذه النخبة السياسية التي خلقتها اخطاء السياسة الامريكية في العراق تتفاخراليوم بتبعيتها لايران وبعضها صار يجاهر العداء للولايات المتحدة في اداء سياسي احمق يجر العراق الى ان يكون ساحة حرب يكون اول المحترقين فيها تلك النخب السياسة الهشة ومليشيات المراهقين الذين تتلاعب بهم ايران.

اخيراً ولكي لا يتحول العراق الى بولندا الشرق الاوسط فان على جميع القوى الدولية والاقليمية ان تعي مسؤوليتها في حماية العراق من ان يتحول الى دولة تماس، ليس فقط لان اي صراع مقبل سوف يحطم العراق ويحوله الى دويلات صغيرة تتحول مستقبلا الى حواضن للتطرف والصراع ، بل لان دول التماس بحد ذاتها تقدم سبباً للصراع وتكون دائماً نقطة خلاف عميق وغير قابل للحل في مفاوضات السلام والتسوية. 

اما المستوى الشعبي فان العراق بات اليوم مطالب باجراء عملية شاملة لاعادة مناقشة الهوية والمواطنة وحسم الولاء الوطني والقضاء على كافة الولاءات الفرعية بل واعتبارها خيانة عظمى.يجب ان تتوقف عملية تقسيم الولاءات الايديولوجية والدينية والسياسية  ويترسخ داخل كل عراقي ولاء للعراق فقط يعلو فوق كل عقيدة او مذهب. 

ان اعادة خلق الهوية وترسيخ (مبدأ العراق اولاً) ربما لن ينهي تبعية النخب السياسية العميق لايران ولكنه سوف يعمل على ازالة غطاء الشرعية الجماهيرية عن النخب الفاسدة وايضا ربما يجنب العراق مصير دول التماس المنقسمة الولاءات.

رئيسة الباحثين منتدى صنع السياسات- لندن

 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 5
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. تشبه دول اوربا الوسطى في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية،
Rizgar - GMT السبت 23 فبراير 2019 09:55
فرق شاسع وواسع بين تاريخ الدول الاوربية و الكيانات المزروعة في منطقة الشرق الاوسط , تاريخ الدول الاوربية مختلف تماما عن تاريخ كيانات اصطناعية عربية مزروعة من قبل فرنسا وبريطانيا و نتيجة من نتائج تعامل ومساعدة العرب للفرنسيين والا نكليز ضد العثمانيين . ثانيا هناك بعض الحساسيات التاريخية بين الشعوب والقوميات الاوربية فيما بينهم بعكس الحقد العنصري و والعرقي للاتراك والعرب والفرس اتجاه الكورد . هّم الشخص التركي و العربي و الفارسي و حلم الفرد التركي و العربي و الفارسي مبني على شقاء واحتقار وانفال وتعريب والاستهتار بالشعب الكوردي ..لولا وجود امريكا لواجه الكورد الابادة الشاملة , حيث ذهنية الدول ذهنية عنصرية في غاية الا جرام .اكثرية المعاهدات الاوربية مبنية على مصالح مشتركة من اجل رخاء الشعوب الاوربية بينما معاهدة سعد آبادة ١٩٣٨ معاهدة عرقية بين العرب والفرس والترك لتحقيق رغباتهم العرقية ...ثم معاهدة Portsmouth عام ١٩٤٨ بين الانكليز والعرب لقتل واجبار الشعب الكوردي الهيمنة العربية ...ثم معاهدة بغداد ١٩٥٥ و واتفاقية حلف السنتو ....ثم اتفاقية الجزائر ١٩٧٥ بين العرب والفرس لانفال واغتصاب وتعريب كوردستان الى الابد .فمقارة الدول اللقيطة في المنطقة مع الدول الاوربية مجرد تسلية عربية وتزوير فاضح ضمن المسار العرقي العربي في الاستهتار بكرامة الشعوب ...
2. ماذا يفعل معكم أو لكم المجتمع الدولى ؟
فول على طول - GMT السبت 23 فبراير 2019 18:40
سيدتى الفاضلة مجتمعات الذين أمنوا ترضع العنصرية والمذهبية والطائفية والارهاب منذ الولادة حتى الممات وماذا يفعل لكم المجتمع الدولى ان لم تغيروا من ثقافتكم وتعاليمكم ؟ على سبيل المثال : هناك اليمن السعيد والعراق السعيد والجزائر السعيد وليبيا السعيد ونيجريا السعيد وأفغانستان السعيد وباكستنان السعيد ومصر السعيد ولا تنسي السودان السعيد بعد أن أصبح سودانين وليس سودان واحد ...وهذة مجرد أمثلة فقط وهى دول كلها قلاقل وارهاب ولن تهدأ ...الذين أمنوا أتباع المذهب الواحد ينقسمون الى 73 فرقة كلهم فى النار ما عدا واحدة ولم يقول لهم من هى الفرقة الناجية أو مواصفاتها ولكن تركهم كى يتقاتلوا مع بعض ..هل هذا مجرد صدفة أن كل بلاد المؤمنين تعتبر بلاد تماس ؟ أم أن حجة " التماس " حجة واهية ؟
3. عبيد الفرد والمال والأمن
رزكار وفول وطنبوره - GMT الأحد 24 فبراير 2019 21:02
هناك ثلاث أقليات غريبة عجيبة لا أخلاق ولا تعاليم ولا ضمير معبودها المال وإلهها الحاكم ، الأولى: النصيرية من آل أسد خانوا وتآمروا على وطنهم مع المحتل والمستعمر وأخيراً باعوه للمستعمر الروسي والايراني بعد أن قتلوا أهله ودمروه على رؤوس سكانه. والثانية : الأرثوذوكس من أقباط مصر عنصريون يحقدون على العرب والإسلام والمسلمين، أصبحوا دولة داخل الدولة تآمروا على شعب مصر منذ مئات السنين، وخدموا الإستعمار بجميع أشكاله زرعوا الحشيش وتاجروا به، أصبحت كنائسهم لا حصر لها حتى لم يجدوا أسماء لها فأعطوها أرقاماً، وفضحتهم أخيراً جريمة قتل الرهبان لبعضهم البعض لخلافهم على تقاسم الريوع. أما الثالثة فهي البرزانية الكردية الغجرية فحدث ولا حرج الأسوأ على الإطلاق. خانوا الجميع بدون إستثناء لا عقيدة ولا أخلاق ولا مباديء. تآمروا مع الجميع ضد الجميع، مع العثمانيين ضد الأرمن والآشوريين والعرب، ومع الاسرائيليين والامريكان والفرس ضد الشعوب التي ينتمون إليها، واليوم يتفاوضون مع معتوه القرداحة قاتل الشعب السوري لتقاسم سوريا. قد يبدو الأمر مزاحاً ولكنه مهزلة حقيقية وواقعية يجدر دراستها لأنها أغرب من الخيال.
4. رئيسة الباحثين !!
Omar - GMT الثلاثاء 26 فبراير 2019 15:44
مثل استالين وهتلر مثل الخميني وصدام .. بيادق قطبيه بيد الراسماليه .. اما مسالة الولاء .. فنظام التماس الجديد (الملالي) والذي تخافين منه ؟. نظام عابر للوطنيه .. ونظام التماس الصهيوني ايضا عابر للوطنيه .. كذالك النظام الشيوعي (الاتحاد السوفيتي سابقا) كان عابر للوطنيه .. والنظام النازي كان عرقي لا وطني .. اما الولايات المتحده فاسمها فيها عابره ايضا للوطنيه .. الوطنيه ليست بقيمه انسانيه و لا تسمن ولا تغني من جوع في عالم الاقتصاد والمال والايدولوجيا ..
5. رزكار وفول وطنبوره
Rizgar - GMT الإثنين 04 مارس 2019 15:32
لولا الدعم الغربي للكيان العراقي السرطاني الخبيث , لكان الكيان في خبر كان واعمامها .الامريكان ساندوا الحشد الشيعي بالاسلحة الامريكية الفتاكة لاغتصاب المدن الكوردستانية ....لولا الدعم الامريكي لما كان بامكان ابناء النجف والكربلاء الاستهتار بكرامة الشعب الكوردي .مع ذلك انهيار ايران يعني هروب الشيعة من المدن الكوردستانية ....الايام بيننا .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي