قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تقول الحكمة الصينية : إذا أردت أن تستثمر لعام فازرع حنطة، وإذا أردت أن تستثمر لعشرة أعوام فازرع شجرة، وإذا أردت أن تستثمر لمستقبل طويل فازرع في الانسان.

في الوقت الذي تتمتع فيه الأمة العربية بالثروات الطبيعية من أراضٍ شاسعة ومياه وفيرة في الشمال، وكنوزٍ نفطية عظيمة، وموارد بشريةٍ هائلة، في مختلف أجزائها تقريبا، فشلت هذه الأمة في عملية التنمية فشلا ذريعا، بدليل ما أعلنته ولا زالت تعلنه تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي أثبتت أن المنطقة العربية أصبحت تمثل واحدة من أكثر المناطق في العالم تخلفا، حتى مقارنة مع البلدان النامية الأخرى أو الفقيرة المحرومة من أي من الثروات الطبيعية.

تقارير الأمم المتحدة تؤكد إن بلدانا متقدمة، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وتايلاند، التي يطلق عليها بلدان النمور الآسيوية، كان معظمها أكثر فقرا وتخلفا من البلدان العربية في منتصف القرن الماضي، كما أنها تفتقر إلى معظم الثروات الطبيعية تقريبا، وخصوصا مصادر الطاقة. ورغم ذلك تمكنت هذه البلدان بفضل الاستثمار في الرأسمال البشري من بناء صناعة عصرية متقدمة، بل أصبحت تنافس أكبر الدول الغربية تقدما. فسنغافورة مثلا لا تمتلك أي موارد طبيعية ومساحتها الجغرافية صغيرة جدا لا تتعدي 710 كيلو متر مربع، ومع ذلك تشير نتائج الدراسات المقارنة إلى أنه خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة عقود، أصبح معدل نمو الإنتاجية الكلية لعناصر الإنتاج هي الأعلى في العالم، تليها تايلاند وماليزيا. حدث كل ذلك بفضل شحذ قدرات الجيل الجديد من أبنائها عبر اخضاعه لبرنامج تعليم متقدم ومكثف.

إسرائيل تسجل في كل عام أكثر من 300 براءة اختراع علمي جديدة، مقابل ذلك لا يسجل العرب أي شيء يستحق الذكر. لماذا حصل ذلك؟ لأننا قصرنا في أمورٍ كثيرة،  منها على سبيل المثال: لم نأخذ بناصية العلم والتكنولوجيا منذ البداية، ولأننا لم نخلق قاعدة علمية وتربوية رصينة لأولادنا، وتمسكنا بقشور تراثنا وتركنا أصوله التي تدعو إلى أخذ الحكمة من أي مصدر جاء بها، وكل ذلك لأننا خضعنا لعقلنا المجتمعي  المتخلف الذي تبلور بوجه خاص خلال الفترة المظلمة من تاريخنا. يقول الإمام علي (عليه السلام): "خذ الحكمة ممن أتاك بها وانظر الى ما قال ولا تنظر لمن قال".

كما اننا نفتقر الى رؤية علمية لما نريد أن يكون عليه اقتصادنا في المستقبل لنبني عليها خططا عملية تفضي الى النتيجة التي نريد وبالتالي تحديد ملامح مخرجات التعليم، ولا توجد خطط عملية لمطابقة النظريات مع الواقع وتنفيذها وفق برنامج مدروس، فالعنصر البشري بما لديه من قدرة على التجديد والإبداع والاختراع والابتكار والتطوير، يمكنه أن يتغلب على ندرة الموارد الطبيعية في البلدان العربية التي تفتقر الى هذه الموارد، وألا يجعلها عائقا نحو النمو والتقدم، عن طريق الاستغلال الأفضل لطاقات المجتمع العلمية والإنتاجية.

الاستثمار في الإنسان يجب أن يكون رأسمالنا، من خلال ضرورة إعادة النظر في أساليب وطرق تربية الجيل الناشئ وتوجيههم الوجهة الصحيحة من خلال تنمية مهارات وقدرات وأسلوب المعلم التعليمية. النظام التعليمي الحالي المطبق في المدارس الحكومية يكبح وسائل التفكير الفاعل لدى الطلاب من خلال أسلوب الحفظ عن غيب، الذي يقوم عليه مدرسون ومدرسات غير مؤهلين تأهيلا جيدا، ويتلقون رواتب منخفضة أدت الى انخفاض معنوياتهم. طرق التعليم القديمة هذه تؤدي إلى انعدام الكفاءات الأساسية لدى خريجي الجامعات، وبالتالي عدم قدرتهم على التنافس في الملعب الدولي على المدى الطويل. يذكر ان من أوائل الأعمال التي قام بها "لي كوان يو" مؤسس سنغافورة الحديثة وناقلها من العالم الثالث الى العالم الأول خلال اقل من جيل، انه قام بمضاعفة رواتب المدرسين، ورفع من مكانتهم الشخصية في السلم الاجتماعي، وخاطبهم قائلا "انتم عماد بناء هذه الدولة".  

الى متى يمكن ان نبقى معزولين عن التقدم الهائل الذي يشهده العالم؟ والى متى سنظل خارج هذه الثورة التكنولوجية التي غيرت وجه التاريخ؟ لقد اصبح مطلوبا منا - اكثر من اي وقتمضى - مراجعه طريقه الاستثمار في الإنسان لمواجهة التخلف بدل الاكتفاء بالتغني بالماضي والبكاء على الاطلال، اذا احسنا الاستثمار في الانسان من الآن وقبل فوات الأوان، ولا بد من العمل على إحداث ثورة تكنولوجية تعليميه حقيقيه، ولا يمكن لهذه البداية الا ان تكون بالإنسان ولأجل الإنسان.